الرئيسية الفهرس المقولة 21
المقولة 21

لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة

) ال أحد يمتلك الحقيقة المطلقة21( من المقوالت الفكرية الرائجة على كثير من األلسنة قولهم: الحقيقة نسبية، أو ال أحد يمتلك الحقيقة المطلقة، أو أن الحق ليس حكراً على أحد، ونحو ذلك من عبارات تكشف عن رؤية سيّالة تلغي وجود معيار ثابت يتميز من خالله الحق عن ،الباطل أو الصواب من الخطأ، فما هو حق عندك ال يلزم أن يكون حقاً عند غيرك وال أن يكون حقاً في األمر نفسه، والعكس بالعكس، وعليه؛ فال يصح مصادرة آراء .اآلخرين أو الجزم بخطئهم، فالحق في النهاية نسبي، وهي وجهات نظر ليس إال ،وليس اإلشكال هنا في مسائل محدودة أو قضايا معينة تدخل في إطار االجتهاد أو الظن، فالقول بنسبية الحقيقة في مثل هذه األمور الظنية االجتهادية، والتي يصح في مثلها قول اإلمام الشافعي: «قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقولُ غيري خطأٌ يحتمل الصواب»؛ ال إشكال فيه، مع اإلقرار بوجود حق في األمر نفسه، وإنما النسبي إدراك .الناس له إنما اإلشكال في اإلطالق الذي تدعيه هذه الكلمة، والتي يلزم من طردها سلب المحكمات والقطعيات الدينية وصفها، وهو معنى مقصود عند بعض من يطلق هذه .المقولة، وربما سلب سائر المحكمات الداخلة في نطاق المعرفة البشرية وصف اإلحكام وما من شك في أن هذه الرؤية السيّالة للحقيقة مخالفة لمحكمات الوحي وقطعيات الشريعة، فالشريعة تقرر بوضوح وجود حزمة من المحكمات التي ال تقبل المنازعة، وترى فيها حقاً مطلقاً يجب اعتقاده، في مقابل بطالن ما يضادها من مبادئ .ومعتقدات

ال أحد ميتلك احلقيقة املطلقة :وهو أمر يمكن تلمسه في عدد كبير من التقريرات القرآنية، كقول الله تعالى .][آل عمران: ٥٨ }َ{وَمَن يَبْتَغِ غَيْ َ اإلسْالمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ اآلخِرَةِ مِنَ الْـخَاسِ ِين {وَالَّ ِي أَوْحَيْنَا : [النمل: ٩٧]. وكقوله}ِ{فَتَوَكَّ ْ عَ َ اللَّ ِ إنَّكَ عَ َ الْـحَقِّ الْـمُبِني :وكقوله ]... فاإلسالم حق، والرسول٣١ : [فاطر}ِإلَ ْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْـحَقُّ مُصَ دِّقًا لِّـمَا بَيْ َ يَدَيْه }َ{فَمَاذَا بَعْدَ الْـحَقِّ إلَّ الضَّ اللُ فَأَنَّ تُصْ َفُون ..حق، والقرآن حق، والله هو الحق المبين .]٣٢ :[يونس والقول بالنسبية المطلقة يؤول في الحقيقة إلى المساواة بين مسائل الشريعة جميعاً وإلحاق قطعياتها برتبة الظنيات، وهو ما ينزع عن أركان اإليمان واإلسالم وأصول الدين وصف القطعية الذي تتمتع به، وتجعل مسائل الشريعة جميعاً مسائل خالفية يسوغ فيها الخالف، مهما كانت أدلة تلك المسائل قطعية، ومهما وقع لها من .إجماع بيّن قطعي وهو على خالف ما تسعى الشريعة بداهةً لتقريره في محكماتها، فهي تتطلب أن َ{فَإن كُنتَ فِ شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْ َا إلَ ْك :يكون المرء فيها مستيقناً غير مرتاب، قال الله تعالى }َفَاسْئَلِ الَّ ِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْـحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَال تَكُونَنَّ مِنَ الْـمُمْتَ ِين .]٩٤ :[يونس ودعوى النسبية المطلقة في الحقيقة معارضة أيضاً للبداهة العقلية، إذ إن إنكار المطلق، واإليمان بالنسبي، سيؤدي حتماً إلى انتفاء الصواب والخطأ الموضوعي من ًالوجود، فإن ما كان صواباً عند شخص قد يكون خطأ عند آخر، وما كان حسناً جميال عند جماعة يمكن أن يكون سيئاً قبيحاً عند آخرين، فبناء على القول بالنسبية يمكن أن يكون االعتداء على الضعفاء وظلمهم، وقتل األطفال وجعل أجسادهم وقوداً للطبخ وكل ما تتصوره من القبائح، أموراً حسنة. وإن قال لك من يتبنى النسبية المطلقة: لكنها

ال أحد ميتلك احلقيقة املطلقة قبيحة عندي.. فهذا ال يدفع الشناعة، إذ هو بقوله بالنسبية ال يستطيع الجزم بقبحها في األمر نفسه، ولسان حاله هنا أن يقول: قولي بأنها قبيح يحتمل الخطأ، وقول غيري .بحسنها يحتمل الصواب. وهو تقرير قبيح كما ترى بل إن القول بنسبية الحقيقة مع مخالفته للعقل الصريح ومقتضى الفطرة، فإنه ًيفتح باب السفسطة على مصراعيه، فإن الضروريات العقلية ال يصح أن تكون موضعا للنسبية؛ فمبدأ السببية العامة، والذي يقول بأن لكل أمر حادث سبب، قاعدة مطلقة ال تدخلها النسبية، ومدعي النسبية يلزمه ادعاء إمكان أن يحدث شيء من ال شيء، وهي سفسطة وتنكر للبداهة العقلية، وقل األمر نفسه في مبدأ عدم التناقض، فمن الممتنع المستحيل عقالً أن يوجد جسم متحرك وساكن في الوقت نفسه، فمن قال بنسبية هذه .الحقيقة لزمه تجويز وقوع مثل هذا، وهي سفسطة ظاهرة ويمكن إبطال قول القائل بنسبية الحقيقة بنفس قاعدة هذه النسبية بطريقة سهلة :جداً، بأن يقال له: هذا القول نفسه هل هو حقيقة مطلقة أم هي قضية نسبية؟ فإن قال هي حقيقة مطلقة نقض دعواه، فاعترف بأن الحقيقة ليست نسبية دائماً. وإن قال: هي .نسبية نقض دعواه أيضاً، فما دامت نسبية فال معنى أن يتعامل معها كحقيقة مطلقة :ولمزيد توضيح فإن القائل بالنسبية ال يخلو حاله من أحد خيارين أن يجعل باب النسبية مفتوحاً دون ضبطه بأي ضوابط أو حدود، ويلزم :األول .ًعنه إمكان جعل الباطل حقاً، والرذيلة أمراً شريفا ،أن يجعل للنسبية ضوابط وحدوداً، فينقض بذلك دعواه بأن النسبية مطلقة :الثاني .وصار مصرحاً بأن هناك حدوداً ومجاالت ال يصح دخول النسبية إليها وإقرار الشخص بوجود ضوابط وحدود للنسبية هو براءة من التصور السيَّال للنسبية، وهو مهم جداً، فمع إدراكنا أن عامة من يطلق القول بنسبية الحقيقة ال يستحضر

ال أحد ميتلك احلقيقة املطلقة بالضرورة ما يترتب على إطالق هذا القول من لوازم فاسدة، فضالً عن أن يتبنى بجدية رؤية االتجاه الشكي الذي يذكر عادة في أبحاث اإلبستمولوجيا ونظرية المعرفة تحت .سؤال يقينية المعرفة فإن أكثر من يستعملون هذه العبارة يوظفونها في مساحات معينة، وهو ما يستوجب معالجة هذه العبارة وبيان وجه فسادها، وانتزاع اعتراف قائلها بأنه ال يتبنى حقيقتها الكاملة، وال يعتقد اطرادها في كل مجال، وهي عودة منه إلى أرضية مشتركة تعترف بوجود قيم مطلقة، وهو ما يمكننا من المحاورة والبحث والنقاش في تلك المساحات المختلف فيها بعيداً عن هذا الوهم الفاسد الذي يمكن أن تخلفه هذه .المقولة، بأنه ال داعي للدخول التفصيلي في مناقشة هذه المسائل إذ الحق نسبي فيها فاستبانة فساد هذه المقولة يستلزم من صاحبها االنحياز إلى موقف عقالني يقر بوجود قطعيات وضرورات تمثل حقائق مطلقة، فيقع البحث والمجادلة للتعرف إليها، وإلى ما يمكن أن يكون نسبياً من المعارف والعلوم وفقَ معيارٍ حاكمٍ يحدد في .ضوئه ما هو حق وما هو باطل وقد يقع االختالف في طبيعة هذا المعيار الحاكم، أو صواب الرجوع إليه في محاكمة التصورات واألفكار، وتحديد مساحات اإلحكام والتشابه فيها، واألمر في تحديد الصواب والخطأ هنا يعود بطبيعة الحال إلى األدلة في الموضوع، ومدى قوتها، وتضافرها، ووجود ما يعارضها، فمن مجموع ذلك تتضح القطعيات التي ال .تحتمل النسبية، والمسائل التي تحتمل النسبية

التالي → 22 - حيثما كان العدل فثم شرع الله ← السابق 20 - الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق