الرئيسية الفهرس المقولة 23
المقولة 23

الدين طاهر والسياسة قذرة

تمثِّل هذه المقولة إحدى (الكليشات) المبتذلة في الوسط الثقافي العربي، والتي تردد كثيراً وعلى نحو مستهلك لتبرير إقصاء الدين عن السياسة، بذريعة المحافظة على الدين من أن يتلوث بالسياسة، فيكافأ الدين على طهارته وشرفه وفضله بأنه يُبعد !ويُقصى ويغيَّب وهذه طريقة عجيبة في التفكير، فما دمتَ مقتنعاً بأن الدين طاهر ونقي وعظيم ًفلماذا ال تستفيد من طهارته ونقائه وعظمته، ولماذا ال تجعله مقوماً للسياسة ومصححا لها؟ إن األمر شبيهٌ بمن يقول: إن مهنة الطب مهنة شريفة واألمراض قذرة فال ينبغي أن نلوث هذه المهنة الشريفة بهذه القاذورات! إن الخلل في هذا التفكير كالخلل في ،هذه المقولة، فالله تعالى ما أنزل الكتب وأرسل الرسل إال لتحقيق العدل بين الناس ِ{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْ َيِّنَات :وإصالح أحوالهم السياسية واالقتصادية واالجتماعية ]، فكيف يلغى مثل هذا٢[الحديد: ٥ } ِوَأَنزَلْ َا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِزيَانَ لِ َقُومَ انلَّاسُ بِالْقِسْط المعنى المحكم بذرائع هزلية كهذه، وهل من مارس السياسة من أكابر أهل اإلسالم ! وخلفائه الراشدين وقعوا في تلويث الدين بالسياسة أم ماذا؟ بدءاً من النبي ولهذا، فالحقيقة أن هذه المقولة هي من قبيل االستغفال واالستخفاف بعقول ،الناس، فلو كان الشخص صادقاً في يقينه بطهارة الدين ألوجب اتباعه في كل الشؤون .ال أن يجعل من طهارة الدين سبباً إلبعاده وإقصائه وهو ما يوجب التفتيش عن المحركات الحقيقية الفاعلة هنا، فهنا وال بد سبب .مخفي يشكل الباعث الحقيقي للمطالبة بإقصاء الدين عن المجال السياسي

إن الفاعل الحقيقي في المشهد يتمثل في الدوافع التي أفقدت العلمانية المعاصرة ثقتها بالدين، وهي دوافع تشكلت في ضوء تجربة الغرب التاريخية مع الدين، والتي عانوا فيها من الصراعات الدينية، وعاينوا ما جرَّته هذه الصراعات من ويالت ومشكالت، األمر الذي حملهم على استبدال دينهم بمرجعية جديدة تزيح هذا الدين .عن كبينة القيادة فهذا السياق التاريخي هو المطبخ الذي أُنضِ جت فيه الدوافع الحقيقية إلقصاء :الدين من فضاء السياسة، ولم يكن األمر عائداً قط إلى مثل هذه الذريعة الساذجة الدين نظيف ونقي، ويجب المحافظة على نقائه من التلوث بقذارة السياسة.. بل األمر َيعود العتقاد العلمانية بأن الدين ليس فيه ما يوجب أن يحكم النظام العام، ولو مُكِّ ن .منه وحكم فلن يتحقق من خالله العدل والمصلحة فهذا هو السبب الحقيقي إلبعاد الدين عن الحكم، فعلى من يرى ذلك أن يبدي .األسباب الحقيقية ويجادل عنها، ال أن يحتمي بمثل هذه المقوالت االستغفالية الساذجة وليس بخافٍ أن التجربة التاريخية للعلمانية بحمولتها وأثقالها ال يصح أن تسقط ،على واقع التاريخ اإلسالمي بدينه الحق المباين؛ لما لحق النصرانية من تحريف ولتجربته في السياسة والحكم المباين لتلك التجربة. فلئن تفهمنا شيئاً من بواعث التفكير األوروبي إلقصاء ذلك الدين المحرف، فمن الصعب تفهم بواعث العلمانيين العرب في المطالبة بإقصاء الدين الحق، مع التباين الجذري الواقع بين التجربتين التاريخيتين، فمشكالت العالم اإلسالمي لم تكن من جنس مشكالت المجتمع .الغربي، ومن ثمَّ فمن الطبيعي أن ال تكون المعالجة مطابقة للمعالجة بل إن دين اإلسالم بطبيعته الشمولية المستغرقة لتفاصيل الحياة يتأبى على هذا ،النمط من أنماط اإلقصاء، والممارس له سيقع وال بد في مخالفة محكمات الوحي

ِ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا ف :ًخصوصاً مع األمر الرباني باألخذ بهذا الدين تاماً كامال ِ{آمَنَّا بِهِ كُ ٌّ مِّنْ عِند :]. وأمره بإعالن هذا اإليمان بالدين كله٢[البقرة: ٨٠ }ِالسِّ لْم ِ{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْض : وذمه أولئك الواقعين في تبعيض الدين.][آل عمران: ٧ }رَبِّنَا .] [البقرة: ٥٨} ٍالْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض المقصود بصيانة الدين عن التلوث بالسياسة صيانتُه عن :ربما يقول شخص ففتح المجال للدين في شأن السياسة،التوظيف واالستغالل بما يؤثر في مكانته يفتح الباب للفاسدين الستغالل الدين في تمرير ظلمهم أو تجاوزهم ثم يسوغون .ممارساتهم هذه باسم الدين، وهذا يلوث سمعة الدين وينقص من مكانته ،ومع اإلقرار بفساد مثل هذه الممارسات وحرمتها فإنها في الحقيقة ال تضر الدين وإنما تضر هذا الشخص وتذم هذا االستغالل، وإلى مثل هذا يجب أن يتوجه الذم والمحاصرة، ال أن يكون ذلك ذريعة لذم الدين أو التضييق عليه، وإال فكل األفكار والمرجعيات يمكن أن تستغل، فالسياسة تقوم على مرجعيات حاكمة، فهي إن أبعدت الدين ال بد من أن تأتي بمرجعية أخرى، وهي أيضاً تستند إلى مفاهيم وأصول كالحريات والحقوق والمساواة والنهضة والتنمية وغيرها، وهذه المفاهيم يمكن أن تستغل أيضاً فيأتي من يقع في انتهاكات ويعتدي على حقوق فيسوغ ذلك باسم الحرية أو الديمقراطية أو المساواة أو غيرها، فلماذا ال يقال هنا: إن الحرية مفهوم مقدس !جميل فال يصح تلويثه في السياسة؟ ال يبدو هذا األمر مقبوالً، ألنه تفسير غير عقالني بتاتاً، فوجود استغالل ألي معنى جميل ال يفضي إلى تعطيل هذا المعنى بالكلية، وإنما الواجب السعي إلى المحافظة على هذا المعنى من سوء االستغالل، وقطع الطريق على الفاسدين من أن يستغلوه، ال .السعي إلى إلغاء هذا المعنى من الوجود، فهذه حالة متطرفة جداً وغير متزنة

إذاً، نستطيع القول أنه إذا كان دافع المقولة هو الحفاظ على الدين من االستغالل .فالحل هو في وضع ضماناتٍ تحول دون هذا االستغالل، وليس بتعطيل الدين بالكلية ثم إن تصور السياسة بمثل هذه الطريقة، وأنها بكل تجلياتها جسد واحد من القذارة، هو تبشيع غير موضوعي للسياسة، فالنظام السياسي يختزن في طياته ما يحفظ الحقوق، ويمنع المظالم، ويحمي األمن، ووجود انحرافات في السياسة، ووقوع أالعيب، وتحقق تجاوزات؛ كل هذا ال يعني أن السياسة نفسها بكل أحوالها أصبحت ملوثة، فهذا متحقق في كل جوانب الحياة، فهل نقول إن العالقة بين األقارب، والعالقة الزوجية، والصداقة بين الناس، والتبادل التجاري؛ كلها ملوثة بسبب وجود مثل هذه األخطاء والتجاوزات التي ال يمكن أن يخلو منها أي مجال حياتي؟ فالحقيقة أن هذه المقولة مثقوبة من كل جوانبها، وهي إنما وضعت لتحقيق هدف معين هو إقصاء الدين بطريقة مهذبة ال تستفز مشاعر المسلمين، فهي تعطي الدين احتراماً لفظياً، وتظهر شتيمة للسياسة، ثم تدعي أن مِن حفظ الدين إبعاده عن هذه السياسة الذميمة، لنصل من خالل هذه المقدمات إلى إقصاء الدين وتهميشه وتعطيله من الحياة؛ فهذه الطريقة في التفكير أو المجادلة أشبه بتالعب شخص بصبي صغير ال .ٍيفقه شيئاً، وال تليق أن تكون مؤثرة في عقل إنسان واع

التالي → 24 - النص مقدس والفهم غير مقدس ← السابق 22 - حيثما كان العدل فثم شرع الله