) حيثما كان العدل فثمَّ شرع اهلل22( من القيم الخلقية المتفق على حسنها: قيمة العدل، فالعدل مما اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول، وما من أمة أو أهل ملة إال وهم يرون للعدل مقامه، وإنما .االختالف واالرتباك في تحرير مضامين العدل الداخلية فالعقل وإن أمكن أن يُدرك كثيراً من مقامات العدل والظلم ويحسن في التمييز بينها، فقد يقع له االشتباه في كثير من المواطن أيضاً، ومن تمام رحمة الله تعالى بنا أن .أنزل إلينا الوحي للكشف والتمييز في مقامات االشتباه ومكمن الفساد المتوهم من مقولة (حيثما كان العدل أو المصلحة فثم شرع الله) قائم على دعوى االنفكاك بين إدراك أحكام الشريعة التفصيلية وقيمة العدل أو المصلحة، بحيث يتوهم بعض الناس أن العدل قد يكون مخالفاً لحكم شرعي فيجب أن يؤخذ بالعدل وترد الشريعة، أو يتوهم أن العدل هو الذي يدلنا على حكم الشريعة في المسألة بعيداً عن النظر في حكم الشريعة في المسألة، أو ال يقبل الشخص من الشريعة إال ما يراه عدالً. والحق أن: «الكتاب والعدل متالزمان والكتاب هو المبين ،للشرع؛ فالشرع هو العدل، والعدل هو الشرع، ومن حكم بالعدل فقد حكم بالشرع ولكن كثيراً من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع؛ بل يقولون ذلك إما جهالً وإما غلطاً وإما عمداً وافتراءً، وهذا هو الشرع المبدل الذي يستحق أصحابه ،العقوبة؛ ليس هو الشرع المنزل الذي جاء به جبريل من عند الله إلى خاتم المرسلين َ{وَإنْ حَكَمْت :فإن هذا الشرع المنزل كله عدل ليس فيه ظلم وال جهل، قال تعالى {وَأَنِ احْكُم : وقال تعالى.]٤٢ : [المائدة}َفَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّ َ يُ ِبُّ الْـمُقْسِطِني
حيثما كان العدل فثمَّ شرع اهلل ]. فالذي أنزل الله هو القسط والقسط هو الذي أنزل٤ [المائدة: ٩}ُ َّبَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الل {إنَّ اللَّ َ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا األَمَانَاتِ إلَ أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْ َ انلَّاسِ أَن:الله. وقال تعالى َ ْ{إنَّا أنزَلْ َا إلَ ْكَ الْكِتَابَ بِاحلَقِّ لِ َحْكُمَ بَي :[النساء: ٨٥]. وقال تعالى } ِتَ ْكُمُوا بِالْعَدْل .(((»]. فالذي أراه الله في كتابه هو العدل١[النساء: ٥٠ }ُ َّانلَّاسِ بِمَا أَرَاكَ الل يعبر عن إشكالية عميقة في تصور طبيعة االلتزام المطلوب بقيمة العدل، إذ االلتزام :بهذه القيمة له مستويان يتمثل في إعالء شأن القيمة نفسها دون تناول لتفاصيل العدل :مستوى إجمالي الداخلية، وهو مقام يتفق فيه الكل، المنتسب لإلسالم والمعظم له، والمخالف لإلسالم أيضاً، فليست إشكالية من يرفض مرجعية الشريعة مع تعظيم قيمة العدل من .حيث هي، وإنما مشكلتهم في بعض ما تقرره الشريعة من تفاصيل العدل يتمثل في تحققات العدل التفصيلية، وهو الذي يبرز الفرق:مستوى تفصيلي بين المسلم الملتزم باألحكام التشريعية، المعتقد بأن االلتزام بها هو ما يفضي به إلى ،تحقيق العدل، والمخالف الذي يعتقد أن العدل أمر منفك عن التفصيالت التشريعية .بل قد يعتقد أن في بعض تلك التفصيالت ما هو ظلم فالمسلم مأمور شرعاً أن يضع الشريعة نصب عينيه، ويستفرغ جهده وطاقته في التوصل إلى معرفة حكم الله تعالى في المسألة التي بين يديه، مع اعتقاده بأن الحكم متى ثبت فإن العدل والمصلحة هو في االلتزام به، فالشريعة أمارة على العدل وعالمة عليه، والعدل المُ حَ قَّق أمارة على الشريعة دالة عليها، إذ هما ال يتناقضان، ومتى وقع .)366/35( مجموع الفتاوى البن تيمية(((
حيثما كان العدل فثمَّ شرع اهلل توهم المناقضة، فإما أن يكون األمر عائداً إلى كون العدل متوهماً وأن العدل فيما حققت الشريعة حكمه، أو أن الناظر غلط في تصوره للشريعة فوقع منه الغلط في .موقفه من العدل وليس للمسلم أن يطرح حكم الشريعة طلباً للعدل استقالالً عنها، فإن هذا فاسد من جهة الدين الذي يُلزم المسلم باالحتكام للشرع، وليكن على ثقة بأنه متى التزم حكم الشريعة فسيؤول به األمر إلى تحقيق العدل، وأنه متى خالفها فسيقع في مناقضة .ًالعدل، إذ اطراح الحكم والحالة هذه اطراح للعدل أيضا الصورة التي يتحدث عنها هي من العدل الحق الظاهر، فما دام ثمّ عدل ظاهر قطعي بيّن فال شك في أن الشريعة قد جاءت به وال تخالف مثله، وأما إذا جيء بهذه العبارة لنقض بعض أحكام الشريعة بدعوى أنها مخالفة للعدل، فهذه مقولة فاسدة لم تتفطن .إلشكالية أن ما يسميه عدالً هو توهم ظنه عدالً بسبب تأثره بعوامل أخرى فمن يتأثر مثالً بضغط الثقافة الليبرالية المعاصرة في المساواة سيرى أن العدل في المساواة بين الذكر واألنثى في الميراث، والمساواة بين المسلم والكافر، في كل ًشيء، ويرى أن العدل في السماح لكل أحد في أن يفعل ما يشاء مهما كان مخالفا للشرع ما دام أنه لم يضر به أحداً، وبه ينكشف أن مفهوم العدل قد تأثر بمرجعيات ثقافية مختلفة، فكيف يمكن أن يقول عاقل إن هذا من شرع الله وهو يناقض شرع الله !يقيناً؟ فالعدل إذاً قيمة عليا يتفق الجميع عليها، غير أن محل الخالف يكمن في التفاصيل، وهو ما يؤدي إلى تفاوت أحكام الناس على وقائع كثيرة بإعطائها وصف العدل أو سلبها إياه بناءً على تصوراتهم ومرجعياتهم، فمن تبنّى الحرية االقتصادية
حيثما كان العدل فثمَّ شرع اهلل مرجعية حاكمة فالعدل عنده إنما يتمثل في كفالة حرية األسواق واألفراد، بينما هي في االشتراكية في تحقيق المساواة بين الناس حتى ال يقع بينهم تفاضل بسبب أحوالهم المالية، وهذا االختالف مبني على اختالف المرجعية الحاكمة لكل منهما والتي تؤثر .بطبيعة الحال في الحكم على الوقائع إذا عرف المسلم هذا أدرك محل اإلشكال المستتر في مثل هذه المقوالت، حيث يتأثر بعض المسلمين بمفاهيم العدل التفصيلية لبعض االتجاهات الفكرية المخالفة ،ليحكم بها على اإلسالم نفسه، فينفي أحكاماً شرعية محكمة بدعوى مخالفتها العدل فهو في الحقيقة لم يرجع لإلسالم نفسه في فهم العدل وتفصيالته، بل أخضع اإلسالم .لفهم غيره، فأثبت ونفى بحسب ما يقتضيه هذا الفهم المغاير