الرئيسية الفهرس المقولة 26
المقولة 26

الشريعة لم تأت بنظام سياسي محدد

) الشريعة لم تأتِ بنظام سياسي محدد26( تُمثّل هذه المقولة مقدِّمة يتوهم أصحابها أنها مسلَّمة وال تستدعي كبير نظرٍ أو تأمل، وينطلق بعدها في ترتيب عدد من النتائج، وقبل الخوض في مناقشة أي نتيجة من نتائج هذه المقولة، من المهم أن نحرر المقصود من هذه الكلمة (نظام سياسي .محدد)، إذ هي تتسم بقدر من اإلجمال يستدعي أن تعالج بقدر من التفصيل :فالنظام السياسي المحدد يحتمل أحد معنيَين الجوانب التفصيلية في كيفية إدارة شؤون الدولة، وتوزيع المهام:المعنى األول والصالحيات، وما يحقق المصالح المعيشية للناس في أي نظام سياسي معاصر، وما تقتضيه طبيعة العصر من التعامل مع مستجدات كثيرة وأدوات حديثة لم تكن موجودة من قبل، فيقصد القائل بهذا أن الشريعة لم توجب علينا أموراً تفصيلية في هذه القضايا اإلجرائية يلزمنا التقيد بها، كما أنها قد تركت هذا كله ألصل اإلباحة والعفو، ويمكن أن نسمي هذا المعنى بالدائرة المفوضة من السياسة الشرعية، بمعنى المجال السياسي .الذي فوضت الشريعةُ الناسَ لوضع ما يحقق المصلحة من أنظمة وتشريعات وهذا المعنى صحيح، فالسياسة الموافقة للشريعة ليست هي السياسة التي جاءت الشريعة بالنص عليها، بل كلُّ سياسة تحقق مصالح الناس وتدفع عنهم المفاسد هي .سياسة شرعية وإن لم يُنص عليها في الشرع ما دام أنها لم تخالف الشريعة المعنى الثاني: أن الشريعة لم تأت بشيء على مستوى القوانين واألحكام التشريعية في الجانب السياسي، فال تتعلق أحكام الشريعة وحدودها ومقاصدها

بالنظام السياسي، وال يلزمنا السعي إلى التفتيش في نصوص الشريعة عن شيء يتعلق .بهذا الفضاء وهذا غلط ظاهر، فأحكام الشريعة شاملة لكل شؤون الحياة، وليست قاصرة على تنظيم شأن المسلم في عالقته بربه فقط، حتى يقال إنها لم تأت بشيء يتعلق بالنظام السياسي، بل الشريعة نظامٌ يصوغ عالقة المسلم بربه، وعالقته بنفسه، وعالقته ،باآلخرين، وعالقته بكل شيء حوله، كما يصوغ المجتمع المسلم، ويحدد واجباته .ومحرماته فالشريعة راعت في كل مجال طبيعته وما يحقق مصلحته، فالجانب السياسي لكونه يتضمن مجاالً واسعاً للمتغيرات ويتأثر بالظروف الطارئة ويتغير بتغيرات الزمان والمكان وتزاحم المصالح والمفاسد، وسَّ عت له الشريعة في جانب اإلباحة فأصبحت هي المساحة األعظم في هذا الباب، فكل تصرف سياسي ال يخالف الشريعة هو تصرف شرعي ما دام محققاً للمصلحة، غير أن هذا ال يعني أن الشريعة ال تفرض في الجانب السياسي أي أحكام أو حدود، بل في الشريعة جملة من األحكام والتشريعات المتعلقة بالنظام السياسي يجب االلتزام بها كما يجب على المسلم أن يلتزم بأحكام اإلسالم في عباداته ومعامالته وأنكحته وغيرها، وال فرق بين باب وباب .في وجوب االلتزام بالشرع وضرورته فهذا اللون من السياسة الشرعية هو من قبيل السياسة المنصوصة، وهي ما جاء في اإلسالم نفسه من أحكام وتشريعات تنظم الحياة السياسية، ودائرة السياسة المنصوصة .هي التي تتكامل مع دائرة السياسة المفوضة لتشكل لنا ما يعرف بالسياسة الشرعية وبهذا يتضح أن القول بأنه ال وجود في اإلسالم ألي تشريعات تتصل بالنظام ،السياسي هو تعبير عن العلمانية لكن بلفظ جديد، ودخول لها من مسلك آخر

فالعلمانية تعني عزل الدين عن التأثير في القوانين والنظم حتى يبقى عالقةً فرديةً ال شأن له بالنظام العام، وحين تحكم على النظام السياسي كله بأن الشريعة لم تأت فيه بشيء، وإنما األمر كله راجع إلى اجتهاد البشر؛ فهذا مبني على فلسفة العلمانية في إقصاء الدين عن المرجعية والتأثير في النظم، فبدالً من التعبير عن رفض الشريعة بشكل مباشر وصريح كما هو الواقع في الخطابات العلمانية المباشرة، يتم االلتفاف .عليها بمثل هذه الطريقة ومثل هذا الخطاب ينم عن مكابرة لجملة من الحقائق المتعلقة بواقع دين ٍاإلسالم، فاألحكام الشرعية المتعلقة بأنظمة الدولة كثيرة جداً، وهي تتضمن واجبات وحدوداً ومحرماتٍ يلزم التقيد بها، ويمنع من تجاوزها، ويلزم أي نظام سياسي يتخذ اإلسالم مرجعية أن يحافظ عليها، فمن أطلق القول بأن اإلسالم ال يشتمل على نظام سياسي محدد وهو يقصد الجانب اإلجرائي، فهو مصيب في المعنى وإن كان لفظه موهماً، وأما االستمرار بنفي صلة الشريعة بالسياسة مع ظهور مثل هذه ،األحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بهذا الفضاء، فهو من العناد في إخفاء الحقائق :فاألحكام الشرعية فيها بيّنة، وليس أمام المسلم معها إال أن يقول ما أمره الله به }{إنَّمَا كَ نَ قَوْلَ الْـمُؤْمِنِنيَ إذَا دُعُوا إلَ اللَّ ِ وَرَسُولِ ِ لِ َحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَ عْنَا ْ{وَمَا كَ نَ لِـمُؤْمِنٍ وَال مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَ اللَّ ُ وَرَسُولُ ُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَ َةُ مِن ،]٥١ :[النور .]٣[األحزاب: ٦ }ْأَمْرِهِم ويجب أن يكون المسلم المعاصر واعياً من تسلل المفاهيم العلمانية وتسربها ،عبر أوعية جديدة، فالعلمانية فكرة مركزية صلبة يمكن أن تتسلل عبر صيغ كثيرة فوعي المسلم بجوهر الفكرة العلمانية يقوي في نفسه ضمانة الكشف عنها مهما تغير .لبوسها

تأتي هنا مقولة مساندة تقول: إن الشريعة لم تأت في النظام السياسي إال بمبادئ وأما بقية األحكام فهي،وقواعد كلية عامة، كالعدل والشورى ونحو هذه القيم العليا مصلحية تراعي تغير الزمان والمكان، وطبيعة االختالف الكبير بين العصور الذي .ًيفرض اجتهاداً مصلحياً كبيرا وال شك في ضرورة االجتهاد المصلحي، وال منازعة في حضوره البارز في الشريعة، لكن ال يصح أن يكون مثل هذا التقرير ذريعة لهدر األحكام والتشريعات ،التفصيلية التي فرضتها الشريعة، فالعناية بأهمية المصلحة مقرر سلفاً في الشريعة ومتفق عليه في النظر الفقهي، فليس ثم جديد في اإلتيان بها في مثل هذا السياق إال .التزهيد في األحكام التفصيلية ومتى دققت النظر في الموقف من القيم العامة كالعدل والحرية والشورى ونحوها، وجدت موقفاً إيجابياً مشتركاً منها في مستواها الكلي، فليس موضع ،الخالف بين اإلسالم والعلمانية في االعتراف الجملي بهذه القيم في مستواها الكلي وإنما أزمة العلمانية مع اإلسالم في التفاصيل الداخلية لتلك القيم الكلية، ومدى إلزامية األحكام الجزئية على المستوى التشريعي والقانوني، وهل هذه التشريعات ملزمة للسياسي، أم هي أحكام تاريخية مربوطة بظروفها المكانية والزمانية، أو مرتهنة بالمصلحة تتحرك وفقها بحسب ما يراه السياسي؟ فالعلمانية تنازع في كثير من تفاصيل تلك القيم وتمثالتها الواقعية، وهي تدعو أيضاً إلى ضرورة رفع الصفة اإللزامية التشريعية عن األحكام القرآنية والنبوية، وهو ما يمثل التمظهر الفعلي لمفهوم فصل الدين عن الدولة، بخالف اإلسالم الذي يقدم جملةً من التفسيرات التفصيلية لتلك القيم، ويبيّن كثيراً من المضامين الداخلية لحقيقة العدل، وحدود الحرية، مع إيجاب هيمنة األحكام الشرعية على النظام السياسي، وأن

،هذه األحكام لها صفة اإللزامية التي يجب على الدولة رعايتها واإللزام بها في الواقع فما ورد به النص من شأن السياسة هو في دائرة الملزم شرعاً، وما لم يرد به النص فهو مجال اجتهاد السياسي المرهون بالمصلحة المعتبرة، فالتصرف على الرعية منوط .بالمصلحة والحقيقة أن المبادئ القيمية الكلية ليست مجرد شعارات فارغة من المضامين الداخلية، فالمبادئ ال يمكن أن تنفك عن التشريعات التفصيلية المحددة لها، فالعدل مبدأ كلي يتفق الجميع عليه، لكن الشريعة جاءت بتفصيالت كثيرة تحدد ماهية العدل في اإلسالم وتوضح تميز اإلسالم فيه. وكل أمة وحضارة ودين لها تفصيالت تشرح هذه المبادئ الكلية، وهذه التفصيالت هي التي تميز فكرهم ودينهم وثقافتهم، فليس .هناك أحد يقول: أنا متمسك باألصول الكلية فقط من دون أي محددات جزئية لها فالعدل في اإلسالم يقتضي تفضيل الذكر على األنثى في بعض الصور في الميراث، بينما يعد هذا التفضيل في الثقافة العلمانية المعاصرة ظلماً وجوراً على المرأة، وحفظ دين الناس بمنع التعدي على حرمات الله هو من العدل والرحمة في المفهوم الشرعي، لكنه ظلم وعدوان عند غيرهم. والمسلم في حكم الله ال خيار له أمام حكم الله القطعي، لكن هذا يمثل لوناً من االستبداد والطغيان في ضوء الحرية .الليبرالية. وهكذا ستجد أن كل ثقافة تصوغ هذه القيم الكلية وفق مرجعيتها فحين يقول مسلم: أنا سألتزم بالعدل والشورى والحرية من دون أن يعتد بتفصيالت األحكام الشرعية، فهو لم يلتزم في الحقيقة من اإلسالم إال ببعض .الشعارات التي ليست محالً للمنازعة أصالً، وال تمثل امتياز التصور اإلسالمي ولهذا، فحقيقة من يقول نحن متمسكون بالمبادئ إنما يتجلى في مدى االستمساك بتفصيالت محددة وشارحة لهذه المبادئ، فال وجود لشيء اسمه (الحرية) هكذا من

دون أي تحديد وفلسفة. إن حقيقة حال الكثير من هؤالء أنه ملتزم بالحرية، لكن وفق مرجعيتها الليبرالية، ويظن أن اإلسالم لم يأت إال بالحرية كأصل كلي عام، ثم يصب !في داخل الوعاء اإلسالمي ما شاء من مفاهيم ليبرالية والخالصة أنه ال وجود لمبادئ كلية بال تشريعات مفصلة، فإما أن يلتزم المسلم بما جاء في أحكام الشريعة، أو أنه سيضطر ألن يلفق بين تشريعات يتوهم أنها تحفظ .له استمساكه بتلك الكليات لكن من مرجعيات مختلفة سيقال: لكن ثم مساحة واسعة لالجتهاد والخالف المعتبر في التفصيالت المتعلقة .بهذه المبادئ، كما أن هناك مساحة متعلقة باإلباحة في أجزاء أخرى وهنا نقول: لسنا ننكر هذا، لكن حديثنا كان متوجهاً لمن يكتفي بالدعوة إلى المبادئ الكلية ثم يزهِّد بعد ذلك في التشريعات والجزئيات، أما من يسلِّم بالكليات والجزئيات جميعاً فيلتزم بالقدر المحكم بها، ويعالج مساحة الظنيات باألدوات .الشرعية لترجيح ما يعتقد أنه التمثل األقرب لتلك الكليات، فليس هذا الرد متعلقاً به سيقال هنا: أال يعدُّ مثل هذا تسييساً للدين؟ وهنا يجب أن نتذكر أن المصطلحات من حيث هي ال ينبغي أن تثير في نفس المسلم خوفاً أو فزعاً، فتسييس الدين إن كان يقصد به استغالل الدين أو بعض أحكامه لتحقيق مصالح ضيقة لشخصٍ أو جماعة، فهو أمر مذموم بداهةً، بل هو مناقض ألحكام الشريعة ومقاصدها، وينال صاحبه من العيب والنقص بقدر ما ارتكب، غير ،أن هذا االنحراف ليس خاصاً بالدين، فكل قيمة جميلة يمكن أن توظف بشكل سيئ .أو تسيس من األطراف كافة وأما إن كان المقصود بتسييس الدين لمز المطالب بتحكيم الشريعة، وااللتزام :بأحكامها في أي شأن عام، فهذا اللمز يتضمن غلطين

،الغلط األول: الظلم والبغي على المخالفين، بالطعن فيهم بغير موجب للطعن .بل بأمر ينبغي أن يكون موضعاً للثناء والمدح الغلط الثاني: تسمية تطبيق اإلسالم بأنه تسييس له، وهذا يُظهر أن صاحب هذا اإلطالق يعتقد بأن اإلسالم ال عالقة له في األصل بالسياسة، فأي تطبيق له في الجانب السياسي هو استخدامٌ له في المكان الخطأ، وهذا كما ترى تأثرٌ واضح بالمرجعية .العلمانية في تحييد الدين عن النظام السياسي وإقصائه عن الشأن العام ويشبه هذا حديث بعضهم عن (اإلسالم السياسي)، فهذا المصطلح إن كان المقصود به حديثاً عن أشخاص أو جماعات معينة، فيمكن أن يسميهم بأسمائهم وينتقدهم بالعدل واإلنصاف، دون استعمال ألي لفظٍ يوهم وجود نسخٍ متعددةٍ من ،اإلسالم، وأن إحداها يقحم الدين في الشأن السياسي، فهذه تسمية مضللة وفاسدة وهي متسربة من اللسان العلماني، ألن اإلسالم في نظره عالقة دينية بين العبد وربه ال شأن له، وال يصح أن يكون له شأن في تنظيم حياة الناس ومعاشهم، فأي أحكام تخالف مزاجهم العلماني يسمونه (إسالماً سياسياً)، بمعنى أنه ليس هو اإلسالم .الحقيقي الذي يقتصر على جوانب العبادات كما هو تصور العلمانية للدين

التالي → 27 - العلمانية هي الحل ← السابق 25 - الشريعة على فهم من؟