) يحفظون وال يفهمون17( من االتهامات التي يكثر تداولها انتقاصاً لعلماء الشريعة، خصوصاً من كان منهم مشتغالً بعلوم الحديث والرواية، اتهامهم بأن جهدهم كان مصروفاً إلى الحفظ دون الفهم، وأن هذا أدى بهم إلى االهتمام بجانب اإلسناد ونقد الرواة دون إعمال النظر في الرواية نفسها، ونقد المتن، وهو ما تسبب في دخول كثير من األحاديث المخالفة .للعقل والمنطق السليم إلى الكتب الحديثية :والحق أن هذه الشبهة ناشئة من قصور في ثالث جهات .األولى: القصور في معرفة مكانة الحفظ .الثانية: القصور في فهم تفاوت رتب أهل العلم في حفظ الحديث وفقهه .الثالثة: القصور في إدراك طبيعة علوم الحديث، وعالقتها بالفهم :الجانب األول ًفأما ما يتعلق بقضية الحفظ واالهتمام به، فهو جدير بذلك، وهو يمثل جزءاً أساسيا في منظومات التعلم الشرعي، ولذا فقد جاءت الشريعة بالثناء على الحفظ، وأنه محل ٌ {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَات:لإلثابة والفضيلة، فمما جاء في فضل حفظ القرآن قول الله تعالى واألحاديث.]٤[العنكبوت: ٩ }َفِ صُ دُورِ الَّ ِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَ ْحَدُ بِآيَاتِنَا إلَّ الظَّ الِـمُون المروية في هذا الشأن كثيرة، أما حفظ السنة فقد وردت فيه أحاديث أيضاً تدل على قال: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه فضله، كما في قول النبي
يحفظون وال يفهمون .(((»غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل وعن أبي موسى، عن النبي ،الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكأل والعشب الكثير ،وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان ال تمسك ماء وال تنبت كأل، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم .(((»يقبل هدى الله الذي أرسلت به وهذا الحديثان يفتحان الباب للحديث عن الجانب الثاني في الوعي بتفاوت .رتب أهل العلم :الجانب الثاني ليس كل من اشتغل بالسنة يعدُّ فقيهاً فيها، وال يتضمن هذا الوصف بذاته ذماً، بل الواجبات المتعلقة بالسنة متعددة، فمنها: الحفظ، ومنها: الفهم، ومنها: التبليغ، وغير ذلك؛ وهذه جميعاً من فروض الكفايات إجماالً، فإذا أدى بعض أهل العلم دوراً من لمن صنع هذه األدوار الواجبة، وحفظ لألمة سنة نبيها، فقد أحسن، وقد دعا النبي : «وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع ذلك بنضرة الوجه، وفيه قال النبي الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا». فله فضل وإحسان، ويرجى له من الله تعالى .المثوبة واألجر أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه((( .األلباني . متفق عليه(((
يحفظون وال يفهمون ثم إن من أهل العلم من كان عنده فضل وإحسان في قضية الفقه والفهم، ولذا قال منبهاً إلى الصلة التي تجمع بين الطائفتين: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه النبي .»منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ومن جمع بين البابين فهو أكمل وأتم ممن اقتصر على أحدهما دون اآلخر، وهو ،حال عدد من أئمة الحديث األكابر، كاإلمام مالك، وأحمد، والبخاري، وأبي داود .وابن خزيمة... إلخ. وبه يتضح الجانب الثالث :الجانب الثالث ،أن من رواة الحديث ونقلته من هو مشتغل بالتفقه في متونه، والتأمل فيها ودراستها، وبه تنحل إشكالية أن مسالك النظر في الحديث تصحيحاً وتضعيفاً منصرفة عند األئمة إلى النظر في اإلسناد دون المتن، فهذا غير صحيح مطلقاً، ونظرة عجلى في واقع علوم الحديث، ومبادئه األولية، تكشف عن وهاء هذه الشبهة، فإن العلماء حين عرَّفوا الحديث الصحيح قالوا: هو ما نقله العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ وال علة قادحة. فالتحقق من عدم وجود شذوذ أو علة تقدح في الرواية هو في الحقيقة نظر علمي دقيق ال يقتصر على دراسة اإلسناد وحده، فكما أن الشذوذ والعلة قد يكون متعلقاً باإلسناد، بأن يشذ راوٍ مثالً في حكاية إسناد الحديث مخالفاً حكاية .ًغيره، أو تقع فيه علة قادحة، فقد يقع الشذوذ والعلة في المتن أيضا فالعلماء كانوا يراعون طبيعة الرواية وناقلها، فيحكمون بشذوذ الحديث إن تفرد به من ال يحتمل تفرده به وإن كان ثقة، وقد يحكمون على لفظٍ بالنكارة، وهو ما يؤكد أن نظرهم ليس مقتصراً على مراعاة اإلسناد وحده، بل ينظرون النظر في المتن ويدققون في معناه، ويزنون ألفاظه، ويقارنون بين الحديث وغيره، وبين رواية هذا .ًالراوي وذاك، للخروج بأحكامهم فيها تصحيحاً وتضعيفا
يحفظون وال يفهمون ومما يكشف لك هذا ما وضعه األئمة من قواعد تكشف عن الحديث الموضوع بأمارات تستبان من متنه، كما صنع اإلمام ابن القيم في كتابه المنار المنيف، حيث جمع عدداً من القواعد التي تمكن الناظر فيها من معرفة الكذب في الرواية من خالل مالحظة المتون الحديثية فقط، كـ: (اشتماله على المجازفات التي ال يقول مثلها ،)، أو: (تكذيب الحس له)، أو: (ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها رسول الله بحيث يمجها السمع ويدفعها الطبع، ويسمج معناها للفطن)... إلى غيرها من المعالم .التي أوردها في كتابه وهذه األصول إنما يحسن تفعيلها وتطبيقها أهل العلم، ال أولئك الذين ال يحسنون الفرق بين المستحيل العقلي والمستحيل العادي، وليس عندهم ذوق شرعي أو لغوي ،يدركون من خالله ركة اللفظ أو سماجته، أو تقع لهم أوهام المعارضة بين نص وآخر .فيتعجلون رده دون أن يُنعموا النظر في الحديث، ويعطوا البحث العلمي حقه ومما ينبغي التأكيد عليه أن نقد اإلسناد يمثل عند التحقيق الخطوة األصعب في معرفة صحيح الرواية من ضعيفها؛ ألن الكشف عن وجود الغلط في المتن أمر ميسور مقارنة بكيفية إدراك األغالط الواقعة في اإلسناد، فهو يمثل عملية شاقة، حيث يلزم الناظر أن ينظر في حال كل راوٍ على حدة، ودرجته من التوثيق، ثم ينظر في اتصال السند، وهل فيه انقطاع ظاهر أو خفي، ويتأمل ما وقع بين الرواة من صيغ التحمل واألداء، ثم يقارن نتائجه بأسانيد الحديث األخرى، ليتأكد من سالمة اإلسناد من .الشذوذ والعلة، إلى غير ذلك من واجبات علمية مضنية وفهم هذا يساعدك على معرفة سبب انحياز كثير من المعترضين على جهود المحدثين لمنطقة نقد الحديث من خالل متنه، دون أن يكون لهم أدنى نظرٍ في شأن اإلسناد، وهو يعود في الغالب إلى عجز مطبق عن التخوض في هذا الباب، فيرقعون
يحفظون وال يفهمون ًعجزهم وجهلهم بتعظيم الكالم في شأن نقد المتون، والتهوين من شأن الحفظ سترا .على جهلهم ،فإذا نظرنا بعد ذلك إلى جهودهم النقدية للمتون انكشف لنا نوع جديد من الجهل فأقوالهم في هذا كثيراً ما تكشف عن هزال معرفي بإدراك سعة العربية، وطبيعة أحكام .الشريعة، وما يصح أن يكون مكذبّاً بالعقل وما ال يصح ولذا؛ فإنهم إن أصابوا في نقد متن الحديث وجدتهم مسبوقين من أئمة الحديث بتقديم ذلك النقد، وإن أخطؤوا أدركت بتأملٍ يسير حجم الجهل الذي أوقعهم في هذا الخطأ، وأنه يمكن دفع اعتراضاتهم بأجوبة كثيرة يمكن حمل الحديث عليها دون .حاجة إلى الطعن فيه وحتى تدرك أهمية دور اإلسناد، فعلى وفق طريقة العناية بنقد المتون فقط يمكن ً، وتجعل متنه الصحيح دليالً على كونه حديثا أن تنسب أي معنى صحيح للنبي صحيحاً، وأما مع العناية بالسند فأنت تتوثق من أن هذا المعنى الصحيح قد قاله النبي .ً فعال والمقصود هنا: التأكيد على أهمية العناية بشأن اإلسناد وما يعترض الباحث فيه من مشاق إذا ما قورن بما يُحتاج إليه لمعرفة صدق الخبر من حيث هو، وهل يمكن .أن يكون صدقاً أم ال واعتبر هذا في شأن األخبار عموماً، فالشق األهم للتوثق من صحتها يكون بالنظر في ،طبيعة المخبر وصدقه وضبطه، فإذا اتسم صاحبه بالصدق والضبط فالغالب سالمة خبره ويسهل على العقل بعد ذلك إدراك هل الخبر من حيث هو ممكن الوقوع أم ال، فمساحة وقوع ما يجزم العقل بكذبه هنا ضيقة بالمقارنة بالمساحة المتعلقة بإمكان وقوعه، وهو ما .يؤكد فرق ما بين المساحتين في إدراك صحة المنقوالت والروايات الشفهية
يحفظون وال يفهمون والقصد أن اتهام علماء اإلسالم بالعناية بمجرد الحفظ دون الفهم، هو من جنس الشائعات الفكرية التي يشيع تناقلها دون اشتغال حقيقي بعلوم الشريعة أو نظر في مصنفات أهل العلم، ولو حصل هذا لكان كافياً بذاته في بيان وهاء هذه الشبهة، وما .تتضمنه من أغاليط