) ال كهنوت في اإلسالم16( تقوم هذه المقولة على تقرير أن فهم الدين ومعرفة أحكامه والحديث عنه ليس خاصاً بفئة معينة من الناس، فالدين ليس علماً تخصصياً، ومن يتكلم في الدين لهم .عقول ولنا عقول، وهم رجال ونحن رجال وقد يزيد األمر تأكيداً فيقول: وألن اإلسالم دينٌ للناس جميعاً، وكل مسلم مكلف بااللتزام بأحكامه، والتكليف يستلزم العلم؛ فال وجود فيه لطبقة تحتكر حق الكالم فيه كما هو موجود في الكنيسة، (فال كهنوت في اإلسالم)، يعني أن لكل مسلم الحق أن يتكلم في .دينه، وأن يبدي رأيه في ذلك، بال اشتراطات مسبقة، فالدين للكل، وللكل حق الكالم فيه ولو أن قائل هذه المقولة اقتصر على ادعاء أنه ال وجود لشريحة معينة من الناس ،تحتكر وحدها حق تعلم الشريعة ودراسة أحكامها أو االطالع على نصوصه المقدسة ٍلكان مصيباً في ذلك، إذ ال اختصاص ألحدٍ من الناس بهذا، وال اعتبار لنسبٍ أو لون أو منصبٍ للحديث عن اإلسالم، بل المجال مفتوح للجميع للكالم في الشريعة شريطة أن يبذل من يريد الكالم الجهد والوقت في التعلم والبحث والنظر حتى يصل ،إلى درجة االجتهاد التي تخوله للحديث في الموضوع الذي يرغب في الحديث عنه .وهذه مسألة ينبغي أن تكون بدهية من جهة العقل، كما هي بدهية من جهة الشرع أما أن نوظف هذه المقولة إللغاء أهمية العلم نفسه، لنجعل اإلسالم كله كأل ،مباحاً لكل متحدث بال علم وال امتالك ألدوات االجتهاد، فهذا عبث ينزه الشرع عنه ويتنزه عنه ذوو العقول السليمة، وليس في هذا حرمان للمسلم من حق الكالم في أي :مسألة من مسائل الشريعة، إذ مسائلها على نوعين
ال كهنوت يف اإلسالم أحكام ضرورية قطعية يعرفها عموم الناس كوجوب المباني:النوع األول الخمسة، ومعرفة المحرمات القطعية، ونحو ذلك، فهذه يعرفها كل مسلم، فيحق لكل مسلم أن يتكلم بما يعرفه فيها، فلو سأل كافرٌ مسلماً عن دينه فكل مسلم عنده من .المعرفة ما يؤهله للكالم في هذه الدائرة ما دون ذلك من األحكام مما يتعلق بتفصيالت العبادات أو:النوع الثاني المعامالت أو غيرها، فهذه ال يصح أن يتكلم فيها إال من امتلك المعرفة الشرعية التي تؤهله للكالم، وال يجب على كل مسلم أن يعرف مثل هذه المسائل تفصيالً ويدرس .ما يتصل بها من خالفٍ ونحوه، وهذا من رحمة الشريعة وتوسعتها على الخلق ومتى احتاج المسلم إلى معرفة شيء منها، فعنده طريقة أبانها الله في كتابه لتحصيل العلم بها من غير حرج أو تثريب، وهي طريقةٌ نافعة لجمهور المسلمين ْ{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إلَّ رِجَالً نُّوحِ إلَ ْهِم :لمعرفة ما يتعلق بتفاصيل دينهم، قال تعالى ]. فليس مطلوباً من كل مسلم البحث٤٣ :[النحل }َفَاسْأَلُوا أَهْلَ اذلِّكْرِ إن كُنتُمْ ال تَعْلَمُون والتفتيش في أحكام الشريعة، وتملك أدوات االجتهاد والنظر، وإنما يسعه سؤال أهل .العلم فيما أشكل عليه، وتبرأ ذمته بذلك ولو أن الله كلَّف المسلمين جميعاً بواجب االجتهاد الشرعي لتحقيق العلم في مسألة شرعية يحتاجون إليها لشق ذلك عليهم، ولعجز عنه أكثر الخلق، ولتعطلت .معايشهم ومصالحهم والمقصود أن تلك اآلية القرآنية تكشف لنا عن دائرتين من البشر، دائرة من يسأل وهم أكثر الناس، ودائرة المسؤول من أهل الذكر، وامتياز أهل الدائرة الثانية على .األولى هو فيما حققوه من العلم مما جعل لهم اختصاصاً أن يكونوا موضعاً للسؤال
ال كهنوت يف اإلسالم عبارة نفيسة تكشف عن طبيعة الوحي، وعن طبيعة األقسام والبن عباس : «التفسير على أَربعة أوجه: وجه تعرفه الممكنة فيمن يقوم بتفسيره، حيث يقول العرب من كالمها، وتفسير ال يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير .(((»ُال يعلمه إال اللَّه من أن هناك تفسيراً يعلمه العلماء، وعليه فثمَّ مجال والذي يهمنا هنا ما نبَّه إليه تفسيري يجب أن ال يتحدث فيه إال ذوو االختصاص من أهل العلم، وأن منازعتهم فيه ممن ليس مؤهالً خطأ بيّن؛ ألنه يتحدث بال علم منازعاً من امتلك جملة من المعارف والعلوم المؤهلة للنظر الشرعي في القرآن الكريم، وهذه بدهية عقلية وشرعية، بأن .للمختص امتيازاً في مجاله العلمي عن غيره والحقيقة أن من يدعي في نفسه مسامتة العلماء دون تأدية فروض البحث والنظر )الواجب، فإنه جاهل بقدره وبقدر من يريد مسامتتهم، فعبارة (هم رجال ونحن رجال موغلة في الغرور والجهل متى ما صدرت ممن لم يحقق الشروط العلمية الموضوعية لتناول أحد الموضوعات الشرعية التي يريد أن يتكلم فيها، وهي ال تعدو أن تكون شبهة ومقولة يريد صاحبها فتح الباب لكل من هبَّ ودبَّ أن يتناول أحكام الشريعة .كيفما يحلو له، وبما تسمح له أدواته العلمية الضعيفة وحتى تدرك حجم ما تتضمنه هذه المقولة من إشكالية حقيقية جرب تطبيقها في مجال الطب أو الهندسة أو الفلك، فهل يقبل أحد أن يعترض على كالم مختص في !أي مجال معرفي بمثل هذه العبارة؟ .)07/1( أخرجه الطبري في تفسيره(((
ال كهنوت يف اإلسالم .فإن قيل: إن اإلسالم ليس تخصصاً فال يصح أن يقاس على المعارف البشرية فيقال: هذا الجواب يكشف في الحقيقة عن قصور شديد في تصور طبيعة الشريعة وما فيها من تفاصيل كثيرة، وما يجب بذله من جهود علمية مضنية لتتبّع تلك التفاصيل وإدراكها، بل تحصيل ما يحتاج إليه من أدوات علمية تؤهله للنظر فيها أصالً، كمعرفة علوم العربية وأصول الفقه وعلوم االصطالح وغيرها، ثم إذا حصلها احتاج إلى ،إحصاء الدالئل الشرعية في المسألة التي يبحثها، ومعرفة ما يثبت منها وما ال يثبت وإدراك مراتب المقبول، ثم اإلحاطة بمعانيها، ومحال الناسخ والمنسوخ، والعام .والخاص، والمطلق والمقيد، ومواضع اإلجماع والخالف، وغير ذلك ،فهل يليق بمن ال يحسن تالوة القرآن على وجهه، أو يجهل غريب قصار المفصل أو ال يميز بين العام والمطلق؛ أن يتبجح بأنه وأهل العلم على درجة واحدة، وأن للكل !حقاً في الكالم في العلم وحتى تدرك خطورة مثل هذا وما يحدثه من انحرافات في الواقع: الحظ أن الخوارج إنما ضلّوا حين تسلطوا على القرآن زاعمين قدرتهم على فهمه دون رجوع لعلماء الصحابة، ثم جرهم هذا الغرور إلى تكفير خيار األمة، مع أن عندهم من المعرفة بلسان العرب ما ليس عند كثيرٍ من أصحاب هذه المقولة، فإذا كانت القراءة منقوصة .األدوات يمكن أن تُحدث مثل هذا الضالل، فكيف بمن لم يملك منها شيئاً يذكر ِ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ اذلِّكْر: أن الواجب على من كان جاهالً سؤال أهل العلم:والخالصة [األنبياء: ٧]. أو أن يصبر على أداء فروض التعلم، ويجتهد في}َإن كُنتُمْ ال تَعْلَمُون {وَأَن تَقُولُوا عَ َ اللَّ ِ مَا :البحث حتى يكون عالماً، بدالً من الوقوع في الجرأة على الله .]١ [البقرة: ٩٦}َال تَعْلَمُون
ال كهنوت يف اإلسالم :مكانة فهم الصحابة وهنا سياقٌ آخر تأتي فيه هذه المقولة، وهو في معرض نزع االمتياز عن فهم للدين على فهم من بعدهم، فال يرى أن ثمَّ ما يوجب التزام فهم الطبقة صحابة النبي .األولى من هذه األمة، فهم في النهاية رجال ونحن رجال، وال كهنوت في اإلسالم والحق أن هذه المقولة تتضمن مغالطةً حقيقية، وغفلةً عن إدراك طبيعة تلك الطبقة، وما تحقق لها من االمتيازات العلمية واإليمانية على سائر طبقات األمة، بما .جعل لها موقعاً من خريطة فهم الدين ليس لمن بعدهم، وهو أمر أقرته الشريعة نفسها ومن تدبر في أحوالهم علم أن هذا هو مقتضى العقل السليم، فلو قُدِّرَ أن الشريعة ، لكان مقتضى العقل خلت من ذكر ما يدل على فضلهم ووجوب االلتزام بفهمهم :اإلذعان لهم ومعرفة قدرهم، وذلك لعدد من األسباب الموضوعية، منها ما حباهم الله تعالى به من ملكات عقلية ونفسية وروحية، فلهم مقام من- من البشر، فقد اصطفى االصطفاء ليس لمن بعدهم، فكما أن الله اصطفى نبيه . صحابة نبيه ما كان لديهم من الديانة الباعثة على تطلب الحق والتوفيق إلصابته. ومن تدبر- أحوالهم في التعبد والتزهد وتعظيم الشريعة أدرك أنهم أولى بتمام الهداية للحق ممن .بعدهم ما كان عندهم من اإلحاطة بعلوم العربية، بل هم معدنها وأصلها، فلغة العرب- هي أُمُّ األدوات الشرعية في فهم الشريعة، فكلما كان المرء ريانَ من أصولها وفروعها ًكان أقدر على فهم الوحي وإدراك مراميه، وما من شك في أن للصحابة في هذا امتيازا .ال يشركهم فيه أحد
ال كهنوت يف اإلسالم أنهم الجيل الذي شاهد التنزيل وعرف مناسبات القرآن وأسباب نزوله وتلقى- مباشرة، وهو ما يجعلهم أقدر على فهم سياقات النصوص وقرائن عن النبي مباشرةً ما صان األحوال وإدراك المناطات ممن بعدهم. ثم في تلقيهم عن النبي والنظر في األسانيد وتتبعها، وهو ما يجعل وقتهم من تتبع صحة المروي عن النبي .ً مباشرة همتهم مصروفة إلى فقه ما تلقوه عن النبي أنهم اختصوا دون طبقات األمة بالتربية النبوية المباشرة، فقد صُ نعوا على- واجب التعليم والتزكية، وما من شك في أنه قد نجح ، وأدى فيهم عينه في ذلك، وخرّج أفذاذاً، فما عندهم من العلم والفضل إنما هو راجع لعلم معلمهم وفضله، وإذا أدركت رضى المعلم عنهم، وثناءه عليهم، أدركت وجهاً آخر من أوجه .التمييز لهم عن غيرهم :ً أن يرسل نصيحته لألمة قائال فهذه األوجه وغيرها هو ما ابتعث ابن مسعود ،ً، فإنهم كانوا أبرَّ هذه األمة قلوبا «من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حاالً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى . .. وصدق(((»المستقيم دالئل الوحي في الثناء عليهم، وحكاية فضلهم، واألمر:فإذا انضاف إلى ما سبق انحسم األمر، وصار االستنان بسنتهم، واالهتداء بهديهم، مجاالً للتعبد،باتباعهم والديانة، ولسنا هنا بصدد تفصيل دالئل الشريعة قرآناً وسنة على فضل الصحابة وهو كثير، وإنما نشير إلى بعض األدلة في ضوء بعض المسارات التي تؤكد أهمية االلتزام :بفهم الصحابة، وتبين أن الملتزم بفهمهم موفق للصواب، فمن تلك المسارات .)189/2( جامع بيان العلم وفضله البن عبد البر(((
ال كهنوت يف اإلسالم :المسار األول: بيان فضلهم، وكمال هدايتهم، ورضى الله تعالى عنهم َ ِ{وَالسَّ ابِقُونَ األَوَّلُونَ مِنَ الْـمُهَاجِرِينَ وَاألَنصَ ارِ وَالَّ ِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَّض :قال تعالى }ُاللَّ ُ عَنْهُمْ وَرَضُ وا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَ ْرِي تَ ْتَهَا األَنْهَارُ خَالِ ِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ْ{مُ َمَّدٌ رَّسُولُ اللَّ ِ وَالَّ ِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَ َ الْكُفَّارِ رُحَ َاءُ بَيْنَهُم : وقال سبحانه.]١[التوبة: ٠٠ ِتَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْ لً مِّنَ اللَّ ِ وَرِضْ وَانًا سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّ جُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ ف َاتلَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اإلجنِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَ َ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِ َغِيظ .]٢[الفتح: ٩ }بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّ ُ الَّ ِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّ الِـحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .(((»: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم وقال النبي ومن المتقرر عقالً وديناً أن كمال االهتداء ناشئٌ عن كمال المعرفة والعلم، وال يتصور إطالقاً أن يكون المرء على طريق سويةٍ وهدايةٍ تامةٍ ثم هو جاهل بمنبع هذه الهداية ومصدرها وهو الوحي، وإذا تقرر وثبت بالدالئل الشرعية المتكاثرة والسيرة التاريخية المتواترة أن الصحابة هم أكمل هذه األمة اهتداءً، فما من شك في أنهم أكمل هذه األمة علماً ودراية بالوحي، بل حقيقة االهتداء هو في إصابة مراد الله ومراد . من الوحي، وهو فرع العلم نبيه : المسار الثاني: بيان صواب فهمهم، وأنهم هم اآلخذون بحق بسنته ُ{فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا هُمْ فِ شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُم :قال تعالى .]١٣ [البقرة: ٧}ُاللَّ ُ وَهُوَ السَّ مِيعُ الْعَلِيم ،: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وقال النبي حتى إن كان منهم من أتى أمه عالنيةً لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل . متفق عليه(((
ال كهنوت يف اإلسالم تفرقت على ثنتين وسبعين ملةً، وتفترق أمتي على ثالثٍ وسبعين ملةً كلهم في النار إال .(((»ملةً واحدةً». قالوا: ومن هي يا رسول الله. قال: «ما أنا عليه وأصحابي ٌ: «ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إال كان له من أمته حواريون وأصحاب وقال يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما ال يفعلون ويفعلون ما ال يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمنٌ ، ومن جاهدهم بلسانه فهو .(((»ٍمؤمنٌ ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ ، وليس وراء ذلك من اإليمان حبة خردل فهذه النصوص تدل على أن موافقة الحق إنما تكون في تحقيق إيمانٍ كإيمان الصحابة، وأنه ال نجاة من الوقوع في شَ رَك الفرق الهالكة إال بمتابعتهم؛ إذ كانوا ، والملتزم بهديه على سبيل نجاة، ولوال أن في األخذ الموفقين لاللتزام بهدي النبي ، والكتفى بقوله هم لما ذكره بهدي الصحابة قدراً زائداً في استبانة هدي النبي .من كان على مثل ما أنا عليه :المسار الثالث: األمر بمتابعتهم، وإيجاب األخذ بسنتهم َ {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّ َ لَ ُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْ َ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِني:قال الله تعالى .]١١[النساء: ٥ }نُوَلِّ ِ مَا تَوَلَّ وَنُصْ لِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِ ريًا : «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه من وقال يعش منكم يرى اختالفاً كثيراً، وإياكم ومحدثات األمور فإنها ضاللةٌ، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم .(((»ومحدثات األمور، فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضاللة . أخرجه الترمذي. قال البغوي: ثابت، وكذا قال ابن العربي. وقال العراقي: أسانيدها جياد. وحسنه األلباني((( . أخرجه مسلم((( أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال((( .العراقي: صحيح مشهور. وصححه األلباني
ال كهنوت يف اإلسالم فهذه نصوص صريحة توجب األخذ بسنتهم، وتحذر من الخروج عنها، وأن .الخارج عن أقوالهم بالكلية واقع في الضالل، ومتوعَّد بالنار المسار الرابع: بيان بركة حياتهم، وأن وجودهم يمثل ضمانة دينية تحفظ لألمة :دينها وعقيدتها ثم قلنا: لو جلسنا فعن أبي موسى األشعري قال: صلينا المغرب مع رسول الله حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: ما زلتم ها هنا. قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: أحسنتم أو :أصبتم. قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيراً مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال «النجوم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ ألصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ ألمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي .(((»ما يوعدون وأقوالهم في العلم وجدها تكشف عن ومن نظر في تفصيالت فقه صحابة النبي ،الحقائق الماضية، وتفسر ذلك النهم الشديد الذي أبداه التابعون حيال فقه الصحابة فأقبلوا عليهم، يستعرضون كتاب الله مراراً، يستوقفونهم عند كل آية ويطلبون ما فيها من الفقه والتفسير، إضافة إلى إقبالهم عليهم في شأن الرواية والحديث، يستكشفون . وما فيها من الفقه من خاللهم سنة النبي وحتى تطمئن إلى عبقرية الصحابة على مستوى التفصيالت، ولئال يُظن أن ما من ذكرناه كالم إنشائي تعوزه األمثلة، نسوق مثاالً واحداً فقط يدل على ما كان لهم ،دقيق النظر، وحسن التأمل، ما جعلهم يفوزون بمقامات علمية رفيعة يصعب نيلها : تدل على تميزهم العلمي ويحظون ألجل ذلك بشهادات غالية من النبي .)2531( أخرجه مسلم(((
ال كهنوت يف اإلسالم : «يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب قال: قال رسول الله فعن أبي بن كعب الله معك أعظم؟». قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من .]٢[البقرة: ٥٥ }ُۚ{ٱللَّ ُ لَ ٓ إِلَٰهَ إِلَّ هُوَ ٱلۡحَ ُّ ٱلۡقَيُّوم :كتاب الله معك أعظم؟». قال: قلت .(((»قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر فتأمل هذا الفهم العظيم الذي مكّ ن أبي بن كعب إلدراك الجواب، وليضع يده على ،اآلية المقصودة، فلو لم يَرِد مثل هذا الحديث هل كان سيسهل علينا إدراك الجواب أدرك أن معيار المفاضلة سيكون لما اشتمل من عظيم المعاني أم أنه لتمام فقهه المتعلقة بالله، ال العتبارات بالغية، أو كماالت تشريعية، أو غير ذلك، فضيق دائرة .)النصوص لما فيه ثناء معظم على الله، ثم نظر فيها فوصل لهذه النتيجة (آية الكرسي على البديهة ووُفّق للصواب، وهو ما يضيف إلى وأنت ترى أنه أجاب النبي في صدره.. فرح األستاذ العبقرية عبقرية، فاستحق تلك الضربة الغالية من النبي .»بالتلميذ وابتهاجه بنبوغه، وليزينه بتلك الشهادة العظيمة «ليهنك العلم أبا المنذر والمقصود أنه: «من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتابَ والسنةَ وما اتفق ِعليه أهلُ السنةِ والجماعةِ من جميعِ الطوائف أنّ خيرَ قرونِ هذه األمة في األعمال ،واألقوالِ واالعتقادِ وغيرها من كل فضيلةٍ، أنّ خيرها القرنُ األولُ ، ثم الذين يلونهم ِ من غيرِ وجهٍ، وأنهم أفضلُ من الخَ لَف ثم الذين يلونهم، كما ثَبَتَ ذلكَ عن النبي ِفي كل فضيلةٍ من علمٍ وعملٍ وإيمانٍ وعقلٍ ودينٍ وبيانٍ وعبادةٍ، وأنهم أولى بالبيان لكل مُشْ كلٍ، هذا ال يدفعُه إال من كابرَ المعلوم بالضرورة من دين اإلسالم، وأضله الله على علم... وما أحسن ما قال الشافعي في رسالته: هم فوقنا في كل علم وعقل ودين . أخرجه مسلم(((
ال كهنوت يف اإلسالم .(((»وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا ألنفسنا ويكفي في هذا استحضار اللوازم المترتبة على رد فقه الصحابة والدعوة إلى ، فإذا لم يوفق الصحابة إلدراك الدين كما منابذته، ومن أبشعها: الطعن في النبي في تعليمهم وتزكيتهم، وهو الدور الذي ابتعثه الله يجب، فمقتضاه فشل النبي . من الفشل ألجله، وحاشاه خصوصاً أن الزم هذا الفشل تسلسله لمن بعد الصحابة، إذ فقه التابعين فرعٌ عن فقه الصحابة، والطعن فيه طعن في فقهم، وهكذا فيمن بعده. وعجيب هذا الكبر الذي يحمل هذا المنابذ لفقه الصحابة ليدعي أنه وبعد مرور هذه القرون المتطاولة فاز بوجه حتى وقته.. إن في تصور هذا الصواب في فقه الدين دون بقية األمة من زمن النبي .ما يكفي في رد هذه الدعوى الباطلة وحين نقرر لزوم األخذ بهدي الصحابة فالمقصود هو: االلتزام بإجماعهم وعدم ،الخروج عنه، وعدم الخروج عن أقوالهم في حال خالفهم بإحداث قول لم يقولوه وااللتزام بمسالكهم في النظر واالستدالل، فكل مبدأ كلي في فهم اإلسالم، أو فهم جزئي خاص آلحاد مسائله، يتناقض مع طريقة الصحابة وما تواطؤوا عليه؛ فهو يمثل .انتهاكاً صريحاً لمبدأ قرآني عظيم ينظم أسلوب تعاملنا مع سؤال فهم اإلسالم وتفسيره .)175/4( مجموع الفتاوى البن تيمية(((