،من األمور الشائعة عند كثير من الناس تقسيم مسائل الدين إلى: لبٍّ وقشور ثم تراه يبدي حفاوته بما يراه لباً مع حطه على ما يظنه هامشياً وثانوياً من أمر الدين ،ويصفها بالقشور تزهيداً فيها، وهذه األمور قد تضيق وتتسع بحسب حال الناقد وبحسب مقدار تعظيمه للشريعة.. فيصل الحال ببعض الناس إلى جعل األحكام التشريعية التفصيلية قشوراً في مقابل تعظيم شأن مقاصد الشريعة، وبعضهم قد يطلقها بحسن نيّة قاصداً التأكيد على االعتناء بما هو أهم في نظر الشريعة مما هو دونها في .الرتبة ،وهذه المقولة تتضمن إشكاليتين مركزيتين: إشكالية في اللفظ المستعمل .وإشكالية في المعنى فهي في استعمال مفردة القشور في وصف بعض أحكام،فأما مشكلتها اللفظية ٌالشريعة، وهي لفظة تعطي إيحاءً سلبياً حيال تلك األحكام الموصوفة بها، بأنها أمر .يمكن تركه، بل والتخلص منه، إذ هذا إجراء طبيعي حيال القشور وما من شك في أن أمر الدين بتفاصيل أحكامه أعز وأشرف من أن يوصف شيء منها بمثل هذا الوصف، فإن أحكامه وإن تفاوتت رتبها، فجميعها موضع تعظيم {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا :وتقدير، فالمسلم مأمور أن يأخذ باإلسالم كامالً، قال تعالى : «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم ]. وقال٢٨٠ :البقرة[ }ًفِ السِّلْمِ كَ فَّة .(((»بأمر فأتوا منه ما استطعتم . أخرجه البخاري(((
،والالفت أن هذه التسمية التبخيسية للشريعة أو بعض أحكامها ليست حديثة ،فلقد كان بعض المتصوفة في القديم يسمي علم الشريعة قشراً في مقابل علم الحقيقة وقد تصدى أهل العلم لهذا اإلطالق، مظهرين تحفظهم على استعمال هذه اللفظة في توصيف األحكام الشرعية، فحين سئل العز بن عبد السالم: «هل يجوز أن يقول المكلف: إن الشرع قِشرٌ ظاهر علم الحقيقة لُبُّه، أم ال يجوز؟...»، أجاب: «ال يجوز التعبير على الشريعة بأنها قشر من كثرة ما فيها من المنافع والخير، وكيف يكون األمر بالطاعة واإليمان قشراً؟! وأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء من أجزاء علم :الشريعة؟! وال يُطْ لِق مثلَ هذه األلقاب إال غَبيٌّ شَ قيٌّ قليلُ األدب! ولو قيل ألحدهم !إن كالم شيخك قشور، ألنكر ذلك غاية اإلنكار، وَيُطْ لِقُ لفظَ القشور على الشريعة؟ ، فَيُعَزَّرُ هذا الجاهل تعزيراً يليق بمثل وليست الشريعة إال كتاب الله وسنة رسوله .(((»هذا الذنب وكذا جاء عن تقي الدين السبكي إنكار هذا االستعمال ضمن جواب له في مسألة السماع فقال: «وقولهم: من أهل القشور، إن أراد به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة َّاألحكام فليس من القشور بل من اللُّبِّ ، ومن قال عليه: إنه من القشور، استحق .(((»األدب، والشريعة كلُّها لُباب فهذا تحفّظ على استعمال اللفظ، فمع اإلقرار بتفاوت رتب مسائل الشريعة، وأن بعضها يحفظ ما فوقها كحفظ القشر للب، فإنه ال يجوز إطالق هذه اللفظة لما توهمه من معنى فاسد، خصوصاً أن كثيراً ممن يطلقها قد يطلقها على ما يمثل أمراً واجباً، أو .ركائز شرعية كبرى .)71( الفتاوى لإلمام العز بن عبد السالم((( الكالم على مسألة السماع البن القيم، وكالم السبكي من ضمن الفتاوى الملحقة في آخر الكتاب((( .)452(
وأما مشكلتها المعنوية، فهي في قصد التزهيد ببعض شعائر الدين، فمن كان ملتزماً بأي أمر من أمور الدين فال يصح أن يزهد فيه بتسميته قشراً، والتعامل معه : «لَتُنْقَضَ نَّ عُ رَى بهذا االعتبار، وهو أمر يفتح باب االنتقاص من شأن الدين، قال ًاإلسالم عُ رْوَةً عُ رْوَةً، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها: فأولهن نقضا .(((»الحُ كْ مُ ، وآخِ رُهُ نَّ الصالة وقد يقول بعضهم: إن اللب هو واجبات الشريعة وفرائضها، وأما القشور فهي ما .كان من قبيل المستحبات والمندوبات والجواب أن يقال: ال شك في أن المندوبات دون الواجبات في الرتبة، لكن ذلك ال يعني أن توصف بأنها قشور أو أن تكون موضع إهمال، فإنها من أعظم أبواب : التقرب إلى الله، ونيل محبته ورضاه، فعن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله َّ«إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب :إليِّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني ألعطينه، ولئن استعاذني ألعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا .(((»فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته وهي أيضاً تعدُّ سياجاً لحماية الواجبات، فإن من انتقص منها أوشك أن يتسرب االنتقاص إلى الواجبات، فالتزامها يعدُّ صيانة للواجبات، فعن النعمان بن بشير رضي ، ٌ يقول: «إن الحالل بَيِّنٌ ، وإن الحرامَ بَيِّن الله عنهما قال: سمعت رسول الله وبينهما أمورٌ مشتبهات ال يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ . أخرجه أحمد. وصححه األلباني((( . أخرجه البخاري(((
لدينه وعِرْضِ ه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتعَ فيه، أال وإن لكل مَلِكٍ حِ مى، أال وإن حمى الله محارمُه، أال وإن في الجسد مضغةً إذا صَ لُحت صلَح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه، أال وهي .(((»القلب : «إن أول وهي أيضاً مكملة لما يقع في تلك الواجبات من نقص وتقصير، قال ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صالته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على .(((»ذلك بل االلتزام بمثل هذه المندوبات يدل على ظهور أمر الدين، وعلو شأنه، وهو أمر أن النبي إيجابي مطلوب بال شك، وشيء تتشوف إليه الشريعة، فعن أبي هريرة .(((»قال: «ال يزال الدين ظاهراً ما عَجَّ ل الناس الفطر، ألن اليهود والنصارى يؤخرون وقد تحتمل الحميّة بعضهم أحياناً إلى إطالق هذه اللفظة نصيحة لمن وقع منه تفريط في بعض الواجبات، مع التزامه بشيء أقل منها في الرتبة، كمن حرص على قيام .الليل حتى فَوَّت صالة الفجر، فيقول له ال تتمسك بالقشور وتترك اللب فيقال لمثل هذا: إن عالج هذه الحالة إنما يكون في التحفيز لاللتزام بالواجب، ال بإهدار المستحب بإطالق، وال بأس بأن يتوجه اإلنكار ببيان رتبة ما فرط فيه في مقابل ما التزم به، دون استعمال لفظة تنزل برتبة المستحب عن الرتبة التي وضعها الشارع .الحكيم . أخرجه مسلم((( . أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد. حسَّ ن إسناده ابن حجر، وصححه األلباني((( . أخرجه أبو داود، وأحمد. صححه النووي، وحسن إسناده األلباني(((
فنحن نقرّ جميعاً بأن مسائل الدين ليست كلها في رتبة واحدة، بل بينها تفاوت أو- في شعب اإليمان: «اإليمان بضع وسبعون كبير، كما ورد في حديث النبي ، شعبة، فأفضلها قول ال إله إال الله، وأدناها إماطة األذى عن الطريق- بضع وستون . لكن ال يعني ذلك أن إماطة األذى عن الطريق شأن(((»والحياء شعبة من اإليمان تافه، بل ما دام شعبة من اإليمان فشأنه عظيم، لكنه ال يبلغ في عظمته رتبة ما فوقه من .شعب اإليمان وليس من المنهج الشرعي والموضوعي أن يزهد في بعض شعب اإليمان لمصلحة بعض، مع لزوم معرفة رتب المسائل الشرعية، والتعامل مع كل رتبة بالقدر الالئق بها، فال تُعامل الصغائر معاملة الكبائر، لكن ال يقلل من شأن الحرص على .تجنب الصغائر لتدرك خطورة تحقير شأن بعض الذنوب والمعاصي: «إن وتأمل في قول النبي . وعن(((»الشيطان قد أيس أن يُعْبَدَ بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي منكم بما تحقرون قال: «إنكم لتعملون أعماالً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على أنس .((( من الموبقات». قال أبو عبد الله: يعني بذلك المهلكات عهد رسول الله . أخرجه مسلم((( . أخرجه أحمد. وصححه األلباني((( . أخرجه البخاري(((