هي من المقوالت التي شاع استعمالها في العصر الحديث، والتي أدَّت بكثيرٍ من الناس إلى معارضة جملة من األخبار الشرعية، دعوى مخالفتها العلم المعاصر، فهي مقولة تشابه إلى حدٍّ ما مقولة: (ال يقبله العقل)، لكن الفرق أن طرف المعارضة هنا هو العلم بدالً من العقل. وعند تدقيق النظر في طبيعة من يطلق هذه المقولة، وطبيعة البواعث التي حملتهم على البوح بها، سنجد أنهم ليسوا جميعاً على طبقة واحدة، بل ،هذه المقولة قد تكون تعبيراً عن نسخة مخففة من توهم المعارضة بين الدين والعلم .وقد تكون تعبيراً عن نسخة أكثر عمقاً وخطورة من اإلشكال فبعض الناس ليس لديه موقف إشكالي من الدين وال من أخباره، فهو يراها ٍّمصدراً ال غنى عنه في تحصيل العلم والمعرفة، لكن وقع في حسه التعارض بين نص معين وحقيقة علمية معينة، فرأى لزوم تقديم الحقيقة العلمية، ثم قد يدَّعي ضعف النص إن كان قادراً عليه، أو يتأوله على وجه يسعى من خالله إلى التوفيق بين النص .والعلم وهذا الموقف يحتاج إلى قدر من التحليل والتفكيك؛ فإجمال القول هنا مظنة الوقوع في الخطأ، بل قد يجر إلى مشكالت خطيرة في إدراك موقع الدين أو موقع العلم من المعرفة، فليس من نصرة الدين السعي إلبطال العلوم مطلقاً، إذ: «ضرر :الشرع ممن ينصره ال بطريقه، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقه، وهو كما قيل .(((»عدو عاقل خير من صديق جاهل .)08( تهافت الفالسفة للغزالي(((
وليس هذا أيضاً من إنصاف الدين أو العلم، وقد أمرنا باإلنصاف والعدل، فال بد المنهج الشرعي في عالقة العلم والدين، وهو ما يمكن تحصيله من خالل من ضبط :إدراك المعطيات التالية :المعطى األول ال بد من تحرير مفهوم النقل والعلم الذي وقع توهم المعارضة بينهما، فالنقل المقصود هو الوحي كتاباً وسنة، وأما العلم فليس المقصود به مطلق العلم في مدلوله اللغوي، أو حتى في استعماله القرآني أو العرفي في كتب التراث والفلسفة، وإنما يراد به مدلول أكثر ضيقاً من هذه بكثير، والذي يمثل الترجمة العربية التي شاعت للفظة ) اإلنجليزية، فالعلم وفق هذا االصطالح يدل على نمطٍ معين للمعرفةScience( اإلنسانية، والتي يمكن تحصيلها عبر منهجيات خاصة تسعى الستكشاف الطبيعة بمختلف ظواهرها وخصائصها والقوانين الحاكمة لها. فالعلم وفق هذا المفهوم قاصر على المجال المادي المدرك للحواس، وهو قائم على المنهج التجريبي المعتمد على .التجربة الحسية، وهدفه التعرف إلى الطبيعة وقوانينها وقد مُيّزَ هذا النمط من العلم عن مطلق العلم بإضافة كلمة الطبيعي أو التجريبي .إليه تمييزاً له لئال يقع الخلط، فقالوا: العلم الطبيعي أو العلم التجريبي :المعطى الثاني أن كُلّ ً من النقل والعلوم الطبيعية يتضمن جزئيات ليست على درجة واحدة من اإلحكام والقوة، بل هي متفاوتة في ذلك؛ فالنقل من جنس األخبار التي يجب أن يراعى فيها التأكد من ثبوتها، واالطمئنان إلى صحة داللتها، وبناءً عليه فمن النقل ما هو قطعي في ثبوته أو داللته، ومنه ما هو دون ذلك، فالقرآن الكريم ثابت كله بطريق القطع، لكن داللة آياته تتفاوت، فمنها ما هو قطعي ال يتنازع في فهمه، ومنها الظني
الذي يمكن أن يقع االختالف في داللته. أما السنة فمنها ما هو قطعي الثبوت عن .، ومنها ما هو دون ذلك، كما أنها تتفاوت أيضاً في داللتها كذلك النبي ومثل هذا التفاوت واقع في العلوم الطبيعية التجريبية، فما يدخل في إطارها متفاوت أيضاً تفاوتاً كبيراً، فهناك فرضيات، ونظريات، وحقائق علمية، وهناك ما يخضع للتجربة الحسية المباشرة، وما يكون من قبيل النماذج التفسيرية للظواهر الطبيعية، فالقطع في العلوم التجريبية إنما يصح فيما كان قائماً على المعطى الحسي القطعي، ككروية األرض، وسقوط األجرام إليها، ووجود الكواكب والنجوم، ونحو ذلك. وأما سعي اإلنسان لتقديم نماذج تفسيرية لما يراه من ظواهر، فهو دون ذلك في الرتبة، والعلم الطبيعي يصحح نفسه في هذه المجاالت باستمرار، ويطور هذه .النماذج لتكون أكثر وفاءً لهذه الظواهر وهذه التفسيرات مع صعوبة القطع فيها إال أنها تتفاوت قوة، فمنها ما هو أقوى من .غيره، ومنها ما ال يتنازع فيه حتى تأتي نظرية أقوى منها لتحتل موضعها هل يمكن أن يقع التعارض بين :بعد اتضاح ما سبق، نأتي للسؤال المحوري النقل والعلوم الطبيعية أم ال؟ :والجواب أما التعارض بين قطعيات النقل وقطعيات العلوم الطبيعية التجريبية فال يمكن- أن يقع، فإن النقل وحي من الله الذي خلق الكون بما فيه، وهو العليم سبحانه بتفاصيل ،أحوال العالم وسننه، فال يمكن أن يأتي الوحي بما يخالف شيئاً من قطعيات العلم ْ{أَفَال يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَو :وذلك لكمال علم الله وحكمته وصدقه ورحمته، قال تعالى فمن دالئل كون هذا القرآن.]٨٢ :[النساء }كَ نَ مِنْ عِندِ غَيْ ِ اللَّ ِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِالفًا كَثِريًا
من عنده تعالى تنزّهه عن االختالف الداخلي، فال يوجد في نصوصه تعارض، وتنزهه .أيضاً عن االختالف الخارجي، فال تأتي نصوصه بما يخالف قطعيات الواقع أما إن وجد ما يوهم التعارض بينهما، فإنما هو لخللٍ في تصور طبيعة النقل أو- طبيعة العلم، وهو ما يستدعي تدقيقاً فيهما للتعرف إلى ما كان أقوى في الداللة فيكون مقدماً، فالنقل قد ال يكون صحيحاً من جهة الثبوت، أو محكماً من جهة الداللة، فإذا كانت المعرفة العلمية قطعية هنا كانت مقدمةً على هذا النقل وال إشكال، والعكس بالعكس، فإذا كان النقل قطعي الثبوت والداللة فال بد من أن اإلشكال فيما يدعى أنه حقيقة علمية، أما إن كانت داللة هذا وهذا ظنية فيتطلب ما يرجح كفة أحدهما على .اآلخر :ولنضرب بعض األمثلة التي توضح هذه القاعدة :المثال األول َ مرفوعاً: «من حَ دَّثَ حديثاً، فعطس عنده، فَهُو جاء من حديث أبي هريرة . فهذا الحديث يدل على أن ما عُ طس عنده من الكالم فهو حق وصدق، فهل(((» ٌّحَ ق !هذا يصح في ميزان التجربة والحس؟ قال ابن القيم: «وهذا وإن صحَّ ح بعض الناس سنده فالحس يشهد بوضعه، ألنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله، ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يروى عن . فتأمل(((» لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق النبي كيف جعل ابن القيم مخالفة الحديث للحس والواقع أمارة على بطالن الحديث، وهو .)6352( أخرجه أبو يعلى في المسند((( .)51( المنار المنيف البن القيم(((
.(((الواقع، فالحديث ضعيف جداً أو موضوع كما نبه إليه غير واحد من أهل العلم .فالتعارض هنا إنما وقع بين الحس القطعي والنقل الضعيف، فالمقدم الحس :المثال الثاني من الحقائق العلمية المقطوع بها أن الشمس أكبر من األرض، وأنها ال تزال تشرق {حَتَّ إذَا :وتغرب على أناس، فكيف يوفق بين هذه الحقيقة العلمية وبين قوله تعالى [الكهف: ٦٨]. والعين الحمئة هي الحارة }ٍبَلَغَ مَغْرِبَ الشَّ مْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِ عَيْ ٍ حَ ِئَة ٍذات الطين، فاآلية قد توهم بعض قرائها بأن الشمس تغرب في نهاية النهار في عين .من الماء، وهو ما يخالف المحسوس من شأنها فاإلشكال هنا إنما وقع لتوهم أن اآلية دلت على أن الشمس تغطس في هذه العين فتغرب فيها، فيقال لمن وقع له هذا التوهم: هل هذه الداللة من اآلية داللة قطعية محكمة؟ والجواب قطعاً: ال، ولهذا اتفق المفسرون على أن المقصود أنها تغرب في عين الرائي، بمعنى أن من يشاهد الشمس في نهاية النهار يراها كما لو أنها تغرب في .عين حمئة، وهذا من سعة اللغة العربية فتوهم التعارض هنا نشأ من سوء فهم داللة اآلية ومقصودها، وإال فإذا فهمت .اآلية على وجهها ارتفع اإلشكال :المثال الثالث حديث: «الَ عَدْوَى وال طِيَرَةَ، وال هَامَةَ وال صَ فَرَ، وَفِرَّ من المجْ ذُ ومِ كما تَفِرُّ من . ظن بعضهم أن هذا الحديث ينفي العدوى مطلقاً، ثم قالوا: وما من شك(((»األسد انظر مثالً : الفوائد المجموعة في األحاديث الموضوعة للشوكاني، وتعليق العالمة المعلمي عليه((( .)136( )؛ وأيضاً: سلسلة األحاديث الضعيفة لأللباني224 (ص . متفق عليه(((
في أن المرض ينتقل في ضوء أسباب طبيعية من المريض إلى الصحيح، فيلزم رد هذا الحديث وتكذيبه، والحق أنهم لم يدركوا داللة هذا الحديث فحملهم سوء الفهم له .على رده وتكذيبه فليس مقصود الحديث نفي هذه الحقيقة الطبيعية المشاهدة بانتقال العدوى من المرضى لألصحاء، كيف وقد جاء في ذات هذا الحديث: «وَفِرَّ من المجْ ذُ ومِ كما تَفِرُّ من األسد»، وهو ما جاء تأكيد معناه في حديث الطاعون المشهور وغيره، وإنما نفي تصورٍ جاهلي للعدوى، ال نفي كل عدوى، حيث كان بعضهم مقصود النبي يعتقد أن هناك كائنات خرافية هي المتسببة في العدوى، أو أن يكون مقصود النبي نفي ما كان يعتقده بعضهم من أن المرض ينتقل بذاته استقالالً من المريض إلى الصحيح دون تقدير الله تعالى، أو غير ذلك من المعاني الباطلة، فردُّ الحديث قبل .استيفاء النظر فيه وفهمه على وجهه سيوقع في إشكالية توهم التعارض :المثال الرابع ،. فقد يتذرع بعضهم بالعلوم التجريبية لرد هذا الحديث(((»حديث: «العين حق فيقول: إن االعتقاد بالعين ال يصح في ضوء العلوم الطبيعية المعاصرة، فيُقْدِمُ على رد الحديث أو التشكيك في شأن العين، وهو موقف غير صحيح يكشف عن إشكال في إدراك المنهجية الشرعية الصحيحة في الجمع بين مقتضيات العلم والشرع، فنحن هنا لسنا بصدد تعارض إيجابي بين طرفين يثبت كل منهما معنى يعارض اآلخر، بل الوحي مثبت هنا، والعلوم الطبيعية في الحقيقة ساكتة، فعدم إثبات العلم لشيءٍ ال يعني نفيه بالضرورة، وهو أمر مبني على مبدأ عقلي صحيح وهو أن عدم الدليل المعين ال يلزم منه نفي المدلول، وأن عدم العلم ليس علماً بالعدم، ففرق كبير بين أن تثبت العلوم . متفق عليه(((
،الطبيعية عدم صحة ما جاء في هذا الحديث، وبين عجزها عن إثبات صحته أو نفيه .فال يصح والحالة هذه رد الحديث بدعوى المعارضة إذ ال معارضة في الحقيقة ومن خالل هذا المثال األخير ينكشف لك حجم جناية بعضهم حين يتنكر لجملة من األخبار الشرعية المتعلقة بالجن أو السحر أو المعجزات أو غيرها، بذريعة مخالفتها العلم، وحقيقة األمر عند التدقيق أنها معارضة بين ما نجهل ثبوته بالعلم وبين النقل، ال ما نعلم عدمه قطعاً في ضوء العلم. ثم إن العلم المادي يتحرك في مساحة الجانب المادي المحسوس، فكيف يحق له أن يثبت أو ينفي أمراً يتعلق بغير المجال المادي؟ فتأثير األرواح الشيطانية في السحر والعين هو متعلق بجانب غير مادي، ال يمكن ًإثباته بالعلم التجريبي وال يمكن نفيه؛ ألنه متعلق بجانب خارج عن اختصاصه، وبناء عليه؛ فال يصح االعتماد على دليل مادي لنفي هذا، ومن ينفي بناءً على هذا الدليل فهو في الحقيقة يعتمد على اعتقاد مسبق عنده، وتصورات مستقرة عنده ال تؤمن بهذه .األمور، وليس للعلم التجريبي عالقة بذلك :النزعة العلموية وهذا يدعونا إلى بحث نزعة أشد مغاالة في العلوم التجريبية، وتتخذ مواقف أكثر حدة من النقل في مثل هذه المجاالت، وتتأكد أهمية الكالم على هذه النزعة المغالية في العلوم التجريبية مع انتشار عدد من البرامج الشعبية العلمية التي تستبطن .هذه النزعة بوعي أو بغير وعي فمن أخطر مظاهر الغلو المعاصر في العلوم التجريبية حصر المعرفة اإلنسانية البشرية في إطارها، وادعاء قدرتها على الوفاء بما يطلب منها كأداة تفسيرية لكل
شيء، فما كان داخالً في قدرتها فهو المقدور على إدراكه، وما عجزت عنه فال سبيل إلى تحصيله وإدراكه. وتزداد المشكلة باستحضار أن العلوم التجريبية إنما تنحصر في ًاإلطار المادي الطبيعي، وبناءً عليه؛ فكل ما كان خارجاً عن هذا اإلطار سيكون تلقائيا محالً للرفض والتكذيب، إذ ال سبيل للعلم إلى دركه، وما كان كذلك فيستحيل أن .يكون علماً، وما ليس بعلم فإنما هو خرافة ودجل وقد أطلق بعض المهتمين على هذا النمط المغالي في إمكانيات العلوم التجريبية لفظة ً)، وهو مصطلح منحوت من كلمة (ساينس) أي علم، مضافاScientism( )(ساينتزم إليها ما يدل على الطبيعة األيديولوجية لهذا اإليمان الشديد بإمكانيات العلوم التجريبية .)وحصر مصدرية المعرفة فيها، وقد تُرجمت هذه اللفظة في الفضاء العربي بـ (العلموية وظاهرة الغلو هذه ليست جديدة تماماً، بل هي ظاهرة قديمة نسبياً، لكن يبدو أن األيام ال تزيد ظاهرة الغلو هذه إال غلواً. وليس بخافٍ أن جزءاً من مبررات هذا الغلو يعود للمكتسبات العلمية والمنجزات التقنية الهائلة التي تحققت بسبب المنهج العلمي الذي أحدث تحوالً ضخماً جداً في حياة البشر على المستويات كافة، وبما ال .يمكن قياسه لكن المشكلة هي في هذا التعاطي التحقيري مع الموارد المعرفية األخرى ومحاولة حصر المجال المعرفي بتفاصيله وتعقيداته وتبايناته في هذا المورد وحده .دون ما سواه ونكتفي هنا بالكشف عن أهم مشكالت هذه النزعة، بما يدل على انحرافها :(((وضاللها يمكن الرجوع ألجل نقد مفصل إلى كتاب الدكتور سلطان العميري (ظاهرة نقد الدين في الفكر((( .)الغربي الحديث
: العجز عن اإلثبات-1 وهي أكثر إشكاليات هذه النزعة طرافةً، فهي نزعة معرفية عاجزة تماماً عن إثبات صحتها، فصحة المنهج التجريبي الذي تتأسس عليه النظرة العلموية إما أن يكون مدركاً بطريقه أو بطريق خارج عنه، فإن كان إدراكنا لصحة هذا المنهج هو بذات المنهج فهو دور باطل، يحمل في طياته تناقضاً داخلياً، إذ ال يصح أن تجعل الدعوى مورداً لالستدالل لها أو عليها. أما إن كانت صحة هذا المنهج مدركةً بأمر خارج عنه فقد حصل المقصود بإمكان تحصيل المعرفة بهذا الخارج، وهو ما يدخل في مجالنا .المعرفي ضرورةً مورداً معرفياً آخر ليس من طبيعة ذلك المورد : بطالن جذرها الفلسفي-2 إذ أصل فكرة العلموية قائم على أن مصادر المعرفة اإلنسانية منحصرة في المدركات الحسية فحسب، وهذا األساس غير صحيح، ودالئل بطالنه وخطئه كثيرة جداً، فالحس ناقل معرفي ال حاكم معرفياً، إذ الحاسة من حيث هي ال تصوب وال تخطئ، وإنما تنقل األمر للعقل الذي يؤدي هذا الدور، والعقل يشتمل على .معارف ضرورية تنتهي إليها سلسلة المعارف النظرية ًفإن المعرفة البشرية إما أن تكون معرفة نظرية وهي لون من المعارف تستدعي نظرا وتأمالً واستدالالً، أو معارف ضرورية ال تتوقف على النظر واالستدالل كمبدأ السببية العامة، وعدم التناقض، وكون الجزء أصغر من الكل، ونحو ذلك من الضروريات العقلية. فلو كانت المعرفة البشرية نظرية كلها، للزم من ذلك التسلسل في المعرفة أو الدور، فكل معرفة تتطلب دليالً، وهو ما يفضي إلى امتناع تحصيل معرفة ما، إذ كل معرفة مفتقرة إلى معرفة سابقة دون نهاية، أو أن دليل المعرفة هو ذاتها وهو دور باطل يجعل من الدعوى حجة، فال بد من أن تنتهي المعرفة النظرية إلى معارف أولية
تمثل نقطة االنطالق المعرفي، وهذه النقطة وإن دخل في تشكيلها الحس، لكن األمر .ًال يقتصر عليه بطبيعة الحال، بل العقل والفطرة داخلة أيضا : منع إمكانية الوصول لفضاءات معرفية-3 فمع اإلقرار بأن العلوم الطبيعية قادرةٌ على تزويدنا بمعلومات وفيرة عن الظواهر ،الطبيعية، فهذا ال يعني أنها قادرة على تزويدنا بمعلومات في كل المجاالت الممكنة فمن الخطأ الفادح قصر المورد المعرفي عليه وحده، فسبل التوصل إلى المعارف ،متنوعة بتنوع طبائع المعارف والعلوم، فلكل مجال معرفي أدواته المعرفية ومصادره وبناءً عليه؛ فمحاولة تعميم المنهج التجريبي ليكون مصدر المعرفة في المجاالت كافة، واعتقاد أنه وحده الصالح لتقديم اإلجابات عن جميع التساؤالت؛ إشكالية .منهجية وعلمية حقيقية، تفضي بصاحبها وال بد إلى مشكالت علمية متعددة ،وواقع المشهد العلمي والمعرفي بحد ذاته يكشف عن مثل هذه اإلشكاليات فالتاريخ مثالً له موارده ومصادره المعرفية، وعلوم الرياضيات كذلك، وهكذا في كل المعارف والعلوم، فاعتقاد أن المنهج العلمي التجريبي هو وحده أداة تحصيل المعرفة، متناقض مع واقع التنوع في المجاالت العلمية، والذي يستتبع تنوعاً في .طرائق العلم والمعرفة : ضريبة النزعة العلموية-4 ًالحقيقة أن ضريبة تبنّي هذه النظرة المغالية للعلم باهظة جداً معرفياً وخلقيا وإنسانياً، فطردها يدخلنا في ألوانٍ من السفسطة المعرفية، والنسبية الخلقية، بل هي .تفضي إلى انتزاع كل قيمة لإلنسان إلى إنكار- وهو الواقع- فحصر المعرفة في إطار العلوم التجريبية يفضي المعقوالت الضرورية، وإنكارها يُسبب انهيار المنظومات العلمية، إذ هي ما يمثل
اللبنات المعرفية األولية التي يبنى عليها معرفياً وبغيرها ندخل في دوامة السفسطة .والمغالطة كما أن العلم التجريبي غير قادر على تحديد ما هو أخالقي وغير أخالقي، وهو ما أفضى بكثيرٍ ممن يتبنّى هذه النظرة المغالية إلى ادعاء نسبية األخالق، وأن لكل شخص أو مجتمع أن يحدد ما يراه مناسباً من األخالق، وهو يجرنا إلى فوضى أخالقية، ويخالف ما نجده في أنفسنا من إدراكٍ ضروري بأن العدل مثالً قيمة أخالقية !حسنة، وأن الظلم قبيح، وأنت إذا نزعت عن اإلنسان معرفته وخلقه فماذا يبقى معه؟ أن معارضة الوحي بالعلوم الطبيعية إنما تنشأ من:والخالصة التي ينبغي أن نعيها سوء فهم للوحي، أو سوء فهم للعلم، وأن الحل هو في ضبط كل طرف، وإدراك ،المنهجية الشرعية الصحيحة في العالقة بينهما، وأنها متى طبقت على نحو سليم .انزاحت جميع اإلشكاليات المتعلقة بهذا الباب