الرئيسية الفهرس المقولة 9
المقولة 9

تقديم المصلحة على النص

بعض الناس يتأمل في مصلحة معينة وتتضخم في نفسه حتى يقول: هذه مصلحة ،مهمة وال غنى للناس عنها، فيجب أن تكون مشروعة، وإذا وُجِ دَ نص معارض لها .فالواجب تقديمها على النص وهذه المقولة تعبّر في الحقيقة عن رؤية مشوهة لعالقة النصوص الشرعية بالمصالح، وهي تستبطن إمكان وقوع االنفكاك بينهما، وهو ما يفسر هذه الحماسة والعجلة عند من يتوهم تحقق مصلحةٍ في أمرٍ على خالف ما تأمر به الشريعة، فيدّعي .متحمساً بعد ذلك بلزوم تقديم المصلحة على النص وربما صاغ إشكاليته هذه بطريقة أكثر لباقة ليقرر بأن الشريعة إنما جاءت بتحقيق المصالح ودفع المضار، فأي نص جاء معارضاً ألي مصلحة تحقق النفع للناس ينبغي أن ال يعتد به. وقد يسترسل صاحب المقولة هنا ليتحدث عن أهمية رعاية المصالح ،إلقامة الحياة الدنيا، والحاجة المعاصرة إلى تحقيق النهضة والتنمية والسعادة .وضرورة تحقيق اإلنجاز في المجاالت كافة :وهنا يأتي هذا السؤال هذه المصلحة التي يراد تقديمها على النص، هل هي من المصالح المعتبرة شرعاً، أم هي مصلحة مخالفة معارضة للشرع، أم هي مما سكتت عنه الشريعة؟ فإن كانت مصلحة معتبرة شرعاً فال يصح أن يقال إن المصلحة الشرعية هنا مقدمة على النص الشرعي؛ إذ إدراكنا للمصلحة مستفادٌ من نص الشرع، وال يتصور تقديم !الشيء على نفسه؟

تقدمي املصلحة على النص وإن كانت المصلحة معارضة للشرع فكيف يستجيز مسلم أن يقول إنني أقدم ما أراه مصلحة وإن كانت معارضة للشرع، فهذه محادة لله ورسوله، ال يمكن أن تصدر .ممن استقر اإليمان في قلبه وأما إن كانت المصلحة مما سكتت عنه الشريعة فهي معتبرة في الحقيقة لما .سيأتي، فال يتصور أن تكون مقدمة على النص أيضاً، المتناع تقديم الشيء على نفسه ، حين يقرع سمعك عبارة من جنس هذه العبارة (يجب أن نقدم المصلحة هناًإذا على النص)، فيجب أن تكون واعياً بأن النص الشرعي ليس لفظاً جامداً ال يتضمن أي معنى أو أنه ال يراعي مقتضى الحكمة برعاية المصالح والمفاسد، ومن ثم يتصور أن تقدم المصلحة عليه، بل يجب أن تعتقد جازماً أن هذه النصوص إنما جاءت لجلب .المصالح ودفع المضار فالبحث يجب أن يتجه للنظر في حقيقة هذه المصلحة المدعاة، والتي يطمع صاحبنا في تقديمها على النص الشرعي، أو بعبارة أدق تقديمها على المصلحة .الشرعية المتضمنة في هذا النص :فالشريعة في أصولها وفروعها مبنية على مراعاة المصالح ودفع المفاسد، فإنك «إذا تأملت الشريعة التي بعث الله بها رسوله حق التأمل وجدتها من أولها إلى آخرها شاهدة بذلك، ناطقة به، ووجدت الحكمة والمصلحة والعدل والرحمة بادياً على .(((»صفحاتها، منادياً عليها، يدعو العقول واأللباب إليها ،ومن هنا استنبط العلماء قاعدة كلية عامة تستغرق تفاصيل أحكام الشريعة كلها ،وهي أن: «الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها .)23/2( مفتاح دار السعادة البن القيم(((

تقدمي املصلحة على النص .(((»ورجحت خير الخيرين بتفويت أدناهما ،فجميع أحكام العبادات والمبايعات والجنايات واألنكحة والتبرعات والعقوبات ًوغيرها؛ كلها مبنية على ما يحقق النفع والمصلحة للناس، وليس في الشرع مطلقا أي حُ كم بال مصلحة، إذ الشارع ال يأمر بشيء إال وفيه مصلحة، وال ينهى عن شيء إال وفيه مضرة، وهذا فرع كون واضع الشريعة وهو الله تعالى متصفاً بكمال العلم والعدل والرحمة والحكمة، وهو ما يبعث على االطمئنان إلى صحة ذلك األصل .وتلك القاعدة، أن الشريعة موضوعة لتحقيق المنفعة ودفع المضرة ،وإذا اختلطت المنافع والمضار في الشيء الواحد علَّق الشارع الحكم باألغلب فما كانت مفسدته راجحة مُنع منه، وما كانت منفعته أرجح فالحكم له طلباً لتحصيله .وتحقيقه وبقدر مصلحة الشيء تزيد منزلته ويقوى حكمه، وبهذا يقع التفاوت في الواجبات والمستحبات الشرعية، وذلك بحسب ما يترتب عليها من المصالح والمنافع. كما تتفاوت الذنوب أيضاً إلى كبائر وصغائر، وتتفاوت عقوباتها في الدنيا واآلخرة بحسب .ما يترتب عليها من المفاسد ،ومما ينبغي التنبه إليه: أن الشريعة حين راعت المصلحة طلباً لها ودفعاً للمفسدة فإن هذه الرعاية مشتملة على المصالح الدنيوية واألخروية، فليس األمر مقتصراً على المصالح الدنيوية فقط، ومن هنا تدرك أحد المداخل التي تُحدث اللبس عند بعض من حيث يتوهم أن المصلحة التي يجب رعايتها هي المصالح الدنيوية فقط، وحين رأى أن في االلتزام ببعض المقررات الشرعية تفويتاً لها سعى إلى تحصيلها عبر تقديمها .)136/30( مجموع الفتاوى البن تيمية(((

تقدمي املصلحة على النص على تلك المقررات دون مراعاة ألن الشريعة تسعى لتحقيق مصالح العباد في العاجل .)(الدنيا) واآلجل (اآلخرة وهذا أحد مكامن الخلط العميقة ومواطن االفتراق بين رؤية الشريعة لباب المصالح، ورؤى كثيرٍ من الناس، فهو ينطلق في بحثه وتفتيشه في باب المصالح ،مضيقاً داللتها ليختزلها في قائمة قصيرة من المتطلبات والمكاسب المادية الدنيوية .كسياسة المصالح العامة، أو تحقيق الرفاه المادي، أو تهذيب األخالق االجتماعية أما المصالح العائدة إلى احتياجات الروح، ووظائف التعبد، ومتطلبات اآلخرة، فليس لها حضور عنده، مع أنها أصلية في نظر الشريعة: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة .(((»وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة برعايتها للمصالح تراعي ثنائية الدنيا واآلخرة، وتسعى لتحقيق النفع للعباد فيهما، وقصورُ النظر على أحد الجانبين دون اآلخر سيتسبب بطبيعة الحال في توهم معارضة بعض المصالح لنصوص الشريعة، والذي سيلزم منه تفويت مصالح لم .تكن محل مراعاة عند من توهم المعارضة إذا تبين هذا، فنقول: إن صلة المصلحة بالنصوص الشرعية من جهة االعتبار :وعدمه على ثالثة أقسام المصالح التي جاءت الشريعة بتقريرها في النصوص، وشهدت لها:القسم األول باالعتبار، كمثل النهي عن قتل النفس بغير حق حفظاً لألنفس، وتحريم المسكرات .)3/3( أعالم الموقعين البن القيم(((

تقدمي املصلحة على النص ،حفظاً للعقول، وإقامة حد الزنا والقذف صيانة لألعراض، وحد السرقة حفظاً للمال وكذا األمر بالعدل واإلحسان وبر الوالدين، وغير ذلك من المصالح الشرعية .المعروفة ، المصالح التي جاءت الشريعة بإبطالها، ونزع وصف االعتبار عنها:القسم الثاني ًفهي وإن كانت داخلة في إطار المصالح إجماالً، فإن الشريعة ألغت اعتبارها رعاية لمصالح أكبر وأعظم، ودفعاً لمفاسد أظهر من هذه المصلحة، كالمصلحة الحاصلة من بيع الخمر؛ ففيها مصلحة للبائع، وتنشيط للسياحة، وتحريك لالقتصاد، إضافة إلى ما يلقاه شاربها من النشوة وغير ذلك، لكن هذه المصالح ال تقاوم المفاسد المترتبة .على بيعها وتعاطيها ومثل ذلك الربا؛ ففيه مصلحة للمقرض، ولكثيرٍ ممن يرغب في تحصيل سيولة ،مالية الفتتاح مشاريع، وهذه يمكن أن توظف عماالً وتفتح بيوتاً وتسد حاجات وهذه مصالح بال شك، لكننا سنجد ما يزيد عليها من المفاسد المترتبة على الربا، بما ،يرجح إلغاء تلك المصالح، وقل مثل هذا في تحريم الزنا وأكل أموال الناس بالباطل والمعامالت المحرمة من جهالة وقمار، ومصلحة الراحة من التكاليف الشرعية من .عبادات وأمر بمعروف ونهي عن منكر ،فهذه المحرمات وإن قُدِّر تضمنها منافع جزئية لبعض الناس لكن مفسدتها أعظم ،وفي األخذ بها تفويت لمصالح أكبر، ولذا نزع الشارع عنها حكم المصلحة المعتبرة إذ الشريعة تنظر نظراً كلياً شمولياً لهذا الباب، وال يقتصر نظرها على جانب معين دون ُ َ{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْـخَمْرِ وَالْـمَيْسِ ِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِريٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثْمُهُمَا أَكْب :بقية الجوانب .]٢١[البقرة: ٩ }مِن نَّفْعِهِمَا

تقدمي املصلحة على النص المصالح التي لم تصرح النصوص الشرعية باعتبارها أو نزع:القسم الثالث وصف االعتبار عنها، فلم يأتِ فيها إقرار صريحٌ لها وال منع صريح، وإنما هي مصالح ،مسكوت عنها في النصوص، مع كونها تحقق منافع للناس وتدفع عنهم المفاسد كمثل كثير من التنظيمات الموضوعة في إدارة الشؤون العامة في األسواق والطرق والبناء وغير ذلك، فهذه المصالح وإن لم تأتِ في دليل مخصوص ينص عليها فهي .في الحقيقة مصالح شهدت لها كليات الشريعة وقواعدها العامة باالعتبار كل ما كان فيه :وبناء على هذا التفصيل يمكننا أن نؤصل قاعدة مهمةً وهي وهذه القاعدة تكشف سعة،ًمصلحة للناس فهو معتبر شرعاً ما لم يخالف دليالً شرعيا الشريعة ويسرها وجمالها وكمال رحمتها، فليست المصلحة الشرعية إذاً مقصورة ،على ما شهد له نصٌ تفصيلي باالعتبار، بل الشرط هنا عدم مخالفة النصوص فقط فاألصل رعاية المصالح واعتبارها، وعدم رعايتها استثناء من األصل لتنبيه الشارع إلى .عدم كونها مصلحة تستحق الرعاية في الحقيقة )وإذا ما اتضح التفصيل السابق فقول القائل: (سأقدم المصلحة على النص ال يمكن أن يتناول إال النوع الثاني: وهو المصالح التي تعارض الشريعة؛ ألن النوع األول متعلق بمصالح جاءت الشريعة باعتبارها نصاً فال يمكن أن يقال: إن المصلحة تقدم على النص هنا. والنوع الثالث، وهو المصالح التي لم تأتِ الشريعة فيها بنص مخصوص، ال يمكن أن يكون مقصوداً أيضاً؛ ألنه من جهة ال يوجد نص أصالً يكون محالً للمعارضة، ومن جهة أخرى فهذه المصلحة مرعية بأصول الشريعة وقواعدها الكلية، فلم يبقَ لهذا القائل إال النوع الثاني: وهي المصالح التي جاءت الشريعة بردها !وعدم اعتبارها، فيقول المسلم: بل سأقدمها على الشريعة ،وهذا كما ترى قول شنيع، وتصريح فظيع، ال يجرؤ مسلم أن يقوله أو يتفوه به وأكثر من يطلق هذه العبارة ال يقصد هذا المعنى، وإنما أوقعه فيها سوء فهم وقصور

تقدمي املصلحة على النص في التعبير، ولهذا نهدف هنا لبيان حقيقة العبارة؛ حتى يتحوط المسلم لدينه عند .التعامل معها، ويدرك حقيقتها وما يترتب عليها حيث هي، بل يجب التحفظ على إجرائها على اللسان، فلربما قصد من يقول بتقديم المصلحة على النص أن الواقع قد تحتف به ضرورة معينة يعسر معها تطبيق حكم .ٍشرعي معين، فيقول نقدم المصلحة حينئذ والحقيقة أن الشريعة قد راعت المتغيرات التي تصاحب تطبيق الحكم، فتطبيق ،النصوص الشرعية ال يقوم بمعزلٍ عن الواقع وما يحتف به من متغيرات أو مآالت بل هي مؤثرة في الحكم، فالعمل بالنص يقتضي أن تراعى هذه المتغيرات، فمراعاتها كما سبق ليس أمراً جامداً ال يتضمن أي شيء، بل هو متضمن للمصالح، وإنما الخلل .في قصور الوعي بالتفصيالت التي يجب مراعاتها هنا :ويمكن أن نشرح وجه المراعاة للمصالح في تطبيق النصوص في العناصر التالية ُ{يُرِيد :فأصل األحكام الرشعية مبنية عىل اليرس : قيام الشريعة على السعة- 1 ْ{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ ادلِّينِ مِن .]١[البقرة: ٥٨ }َ ْاللَّ ُ بِكُمُ الْيُسْ َ وَال يُرِيدُ بِكُمُ الْعُس }ْ {فَاتَّقُوا اللَّ َ مَا اسْتَطَ عْتُم: فام ال يطيقه اإلنسان فهو غري مكلف به.][الحج: ٨٧ } ٍحَرَج .]٢[البقرة: ٦٨ } {ال يُكَلِّفُ اللَّ ُ نَفْسًا إلَّ وُسْعَهَا.]١[التغابن: ٦ ولهذا وسَّ عت الشريعة دائرة اإلباحة فأصبحت هي الدائرة الكبرى من أحكام الشريعة، وضيقت حدود اإليجاب والتحريم. ومن مجموع الدالئل أخذ العلماء .قاعدة: أن األصل في األشياء الحل واإلباحة

تقدمي املصلحة على النص وهذه السعة تعني أن األصل في تطبيق النصوص أن ال يتضمن أي حرج أو مشقة خارجة عن المعتاد، فإن وقع تغيُّر في الواقع استوجب مثل هذا الحرج، فقد راعته .الشريعة وأمرت برفعه فام قد يطرأ عىل واقع شخص أو مجاعة من : مراعاة الشريعة أحوال الضرورة- 2 :رضورة حتول بينهم وبني تطبيق بعض األحكام، فهو أمر مستحرض يف أصل الترشيع ومنه أخذ العلامء.]١[األنعام: ٩٩ }ِ{وَقَدْ فَصَّ لَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّ مَا اضْ طُ رِرْتُمْ إلَ ْه القاعدة الفقهية الشهرية: (الرضورات تبيح املحظورات)، فإن حدث رضر فمراعاته .هي من مراعاة النص نفسه مراعاة المشقة والحرج والحاجة التي قد تعتري بعض األحكام بالنسبة لبعض- 3 فالحاجة أيضًا معتبرة شرعًا، ودرجتها وإن كانت أقل :األشخاص أو بعض األحوال في الرتبة من درجة الضرورة وهي ما يمس أصل حياة اإلنسان أو يتسبب في هالكه أو ،ًتلف أحد أعضائه أو إلحاق الضرر به، فإن الحاجة تسبب شدة ومشقة وحرجًا شديدا .فهي محل رعاية في الشريعة، ولرعايتها شروط وتفصيالت ليس هذا موضع بسطها فحين يترتب على الفعل مفسدة تخالف الشريعة فإن: مراعاة مآالت األفعال- 4 الشريعة تراعي ذلك، ويدخل في هذا: قاعدة سد الذرائع، وقاعدة الحيل، ومراعاة الخالف، واالستحسان، وليس هذا محل عرضها، إنما المقصد أن يُعرف أن تطبيق ،الحكم الشرعي إن آل إلى أمرٍ فيه مفسدة راجحة، أو أوقع المكلف في حرج وشدة .فإنه يُراعى فإذا وجدت مصالح ومفاسد : مراعاة التعارض بين المصالح والمفاسد- 5 متعارضة في واقعةٍ ما فالواجب مالحظة هذه وهذه جميعاً، والنظر في الجانب األرجح هل هو في كفة المصالح أم المفاسد، فإن لم يكن هناك ترجيح فاألصل أن درء

تقدمي املصلحة على النص ،المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإن ترجح أحد الجانبين فالحكم يكون لصالحه فإن كان التعارض بين مصالح متعددة ال يمكن تحصيلها جميعاً، أو مفاسد متعددة ال ،ًيمكن درؤها جميعاً؛ فالواجب: «ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعا .(((»ًودفع شَ رِّ الشرين إذا لم يندفعا جميعا ،وهو ما يستدعي نظراً فقهياً دقيقاً، وإحاطة واسعة بتفاصيل الشريعة ومقاصدها وقدرة عالية على الموازنة في هذا الباب، ولذا قيل: «ليس العاقل الذي يعلم الخير من .(((»الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين وكما ترى، فوجود مصلحة معينة أو حالة عارضة متأثرة بتغير الواقع أمر واقع صحيح، والفرق هنا أنَّ بعض الناس ليس لديه سوى معرفة بوجود متغيرات تؤثر على الواقع، فبنى على هذا اإلدراك الكلي ما جعله ينقض أحكام الشريعة، بينما البحث الفقهي يتجاوز مجرد الوعي بوجود مثل هذا اإلشكال إلى التفاعل معه وفق منهجية متكاملة ومنظومة محكمة تستوعب مختلف جوانب الموضوع لتفرز حكماً يناسب .هذا الواقع ومما يدخل في هذه المنهجية مراعاة هذه المتغيرات، فال يبقى ثمَّ حاجة لطرح في الشريعة وكيف يتعامل معها وفق منهج شرعي مؤصل، والذي إن أدركه الشخص عمق البحث الفقهي للمصالح وأنه يتجاوز سجن التفكير في ثنائية: هل نقدم النص أو نقدم المصلحة؟ إلى الغوص في فحص المصالح نفسها، ومعرفة ما يصلح أن يكون .)343/23( مجموع الفتاوى البن تيمية((( .)54/20( مجموع الفتاوى البن تيمية(((

تقدمي املصلحة على النص مصلحة مما ال يصلح، ثم دراسة حجم كل مصلحة وهل هي مصلحة ضرورية أم حاجية أم تحسينية، ثم هل التعارض كلي أم جزئي، ثم استعراض أوجه التعارض بين المصالح والمفاسد، ورتب المصالح والمفاسد نفسها، ومراعاة األحوال المتغيرة وما .تؤول إليه األحكام، إلى أبحاث تفصيلية كثيرة يدركها الباحث في المجال الفقهي وهو ما يوجب على المسلم أن يكون واعياً بخطورة تكرار مقوالت عائمة تتضمن انحرافات فكرية تستغل قصور الوعي عند كثير من الناس بالتفصيالت الفقهية لتمرير مفاهيم فكرية منحرفة، وهي مفاهيم تدفع المسلم إلى معارضة الشرع ورفض أحكامه بدالً من أن يسلم لها ويوقن بأن الخير كله في التزامها، وأنها في الحقيقة طريق تحقيق ْ {وَمَا كَ نَ لِـمُؤْمِنٍ وَال مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَ اللَّ ُ وَرَسُولُ ُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَ َةُ مِن:المصلحة .]٣[األحزاب: ٦ }ْأَمْرِهِم

التالي → 10 - التمسك بروح الشريعة ← السابق 8 - هذا مخالف للعلم