) ال يقبله العقل7( تعدُّ معارضة نصوص الوحي بالعقل من أعظم أبواب االنحراف، وأحد مسببات الضالل الكبرى، فإذا ما أورد نص شرعي على بعض الناس ولم يستوعبه عقله بادر .قائالً: هذا الكالم ال يقبله العقل. قاصداً رد داللة ذلك النص، والطعن فيه وقبل الخوض في رفع ما يتعلق بهذه المسألة من توهمات، ال بد من االنطالق ،من رؤية تستصحب تكريم العقل ومعرفة قدره ومكانته، فليس القصد هنا التهوين منه أو إلغاء اعتباره، فإن الوحي ذاته قد دل على أهمية العقل، وأظهر حفاوة بالغة به، عبر :مسارات متنوعة، من ذلك ) جعل العقل مناطاً من مناطات التكليف: فنقصه أو زواله مؤثر في ثبوت وصف1 ٍ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَالَثَة التكليف الشرعي، فمن ال عقل له ال تكليف عليه، قال النبي .(((» َعَنِ النَّائِمِ حَ تَّى يَسْ تَيْقِظَ وَعَنِ الصَّ بِيِّ حَ تَّى يَحْ تَلِمَ وَعَنِ الْمَجْ نُونِ حَ تَّى يَعْقِل ،) الحث على فعل التعقل والتفكر والتدبر في آيات الله وأمثاله، وفي تشريعاته2 }َ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} و{لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون:وفي مخلوقاته، فما أكثر ما يرد في القرآن .؛ فكلها تشير إلى ضرورة إعمال العقل الستلهام الهداية}َو{لِقَوْمٍ يَفْقَهُون ) حصر االنتفاع بالمواعظ والذكر والقصص والتشريع واألمثال القرآنية على3 ويقول.]٢ [البقرة: ٩٦} ِ {وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّ أُوْلُوا األَلْ َاب:أصحاب العقول، يقول تعالى : أخرجه أحمد، والنسائي، وابن ماجه. وصححه النووي، واأللباني. وقال شعيب األرناؤوط((( .إسناده جيد
ال يقبله العقل : ويقول عز وجل.]٣[العنكبوت: ٥ }َ{وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون :سبحانه ِ{وَتِلْكَ األَمْثَالُ نَضْ ِبُهَا لِلنَّاس : ويقول تعالى.] [الفجر: ٥}ٍ{هَلْ فِ ذَلِكَ قَسَمٌ لِّ ِي حِجْر .]٤٣ : [العنكبوت}َوَمَا يَعْقِلُهَا إلَّ الْعَالِـمُون : قال عز وجل،) ذم من أطفأ نور العقل وعطله فحرم نفسه الهداية واتباع الحق4 {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّ ُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَ نَ آبَاؤُهُمْ ال يَعْقِلُونَ شَيْئًا ٌ وَمَثَلُ الَّ ِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّ ِي يَنْعِقُ بِمَا ال يَسْمَعُ إلَّ دُعَ ءً وَنِدَاءً صُ مٌّ بُكْم)#٠٧١# َوَال يَهْتَدُون .]١٧١ ،١[البقرة: ٠٧ }َعُمْ ٌ فَهُمْ ال يَعْقِلُون ) بيان وظيفة العقل في استنباط األحكام والنظر في األدلة، وكلما كان العقل5 أكبر وأوفر كان المرء أقدر على أداء واجبات االجتهاد، وبضعفه تضعف ملكة َ {كِتَابٌ أَنزَلْ َاهُ إلَ ْكَ مُبَارَكٌ لِّ َدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِ َتَذَكَّر:االجتهاد واالستنباط، يقول الله تعالى .]٢[ص: ٩ } ِأُوْلُوا األَلْ َاب ،) جعل العقل إحدى الضروريات الخمس التي جاء اإلسالم للمحافظة عليها6 ،فنهى عن االعتداء عليه، ومنع من اإلضرار به بتعاطي الخمور والمسكرات وغيرها ِ {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْـخَمْرُ وَالمَيْسِ ُ وَاألَنصَ ابُ وَاألَزْالمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَل:يقول تعالى .][المائدة: ٠٩ }َالشَّ يْطَ انِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون فهذه بعض الدالئل الشرعية التي تدل على ما للعقل من مقام سامٍ في التصور اإلسالمي، وأنه ال غنى للمسلم عن إعمال العقل طلباً للهداية والخير، غير أن المسلم ،يجب عليه أيضاً أن يستحضر محدودية العقل، وعدم تمكنه من الخوض في كل شيء :وهو ما يتجلى باستحضار األمور التالية
ال يقبله العقل :األمر األول: أن العقل ال يدرك كل شيء ولهذا أرشدت الشريعة إلى ما يضبط فعله ببيان ما يمكن للعقل أن يتحرك فيه من مجاالت وما يكون فيه عاجزاً عن خوض غماره، فال غلو في العقل ليكون هو الحجة المهيمنة على جميع األدلة، وال جفوة تلغي من مكانته ووظيفته في االستدالل .الشرعي وأنت إذا تأملتَ في ضبط الشريعة لحركة العقل بتحديد ما يمكن أن يتحرك فيه من مساحات وما يعجز عن التحرك فيه، وجدت في هذا تكريماً للعقل أيضاً، ألنه يمنع من تبديد طاقة العقل فيما ال فائدة فيه، فمهما اتسعت الملكات العقلية سيظل محدوداً في قدراته وطاقته وملكاته، ولن يستطيع أن يدرك كل الحقائق مهما أوتي من ،قدرة على االستيعاب واإلدراك، وإذا ما حاول الخوض فيما ال طاقة له للخوض فيه .سيعرض صاحبه لاللتباس والتخبط، وربما قاده إلى الضالل والتيه فالعقل مهما بلغ من القوة والذكاء هو أداة تربطنا بالعالم من حولنا، فكما أن للعين ،مدى تنتهي عنده مقدرتها على اإلبصار فال تدرك ما وراء هذا المدى من مرئيات فكذلك الشأن في العقل، فهو أداة اإلدراك، له مجاله المحدود الذي يعمل فيه، ويدرك .حقائق األشياء في محيطه فإذا استحضرتَ مدى محدودية القدرة العقلية استطعت أن تفهم معنى منع .اإلسالم العقلَ من الخوض فيما ال يدركه، وال يكون في متناول إدراكه فالغيبيات التي ال تقع تحت مدارك العقول ال مجال لها أن تخوض فيها، وليس لها أن تخرج فيها عمّا دلت عليه النصوص الشرعية، وذلك مثل معرفة حقيقة صفات الله تعالى، وتفاصيل أمور المالئكة والجن والروح والقيامة والجنة والنار ونحو ذلك؛ .فالعقل البشري لقصوره ال يهتدي إلى تفاصيل تلك الغيبيات إال بالرسالة والوحي
ال يقبله العقل :ًاألمر الثاني: أن إدراك العقل للقضايا قد يكون إدراكاً مجمال ،وكذلك ينبغي التنبه إلى أن إدراك العقل لكثيرٍ من القضايا إدراك مجمل ال مفصل وقد يكون إدراكاً بعضياً ال شمولياً؛ فالعقل يدرك حسن العدل وقبح الظلم، وقد يدرك :في بعض التصرفات أنها من قبيل العدل أو الظلم، لكنه قد يعجز عن تقييم كل فعل هل هو عدل أو ظلم؟ حسن أو قبيح؟ وهو ما يفسر ذلك التفاوت الهائل الذي يعرض للناس في تقييم كثير من المسائل متى كان المرجع للعقل وحده، وهو ما يفضي بنا .إلى األمر الثالث :األمر الثالث: تفاوت الناس في اإلدراك العقلي ومن مشكالت العقل أيضاً التي ينبغي مالحظتها أنه ليس شيئاً واحداً يقع لكل ٌالناس على وجهٍ يتفقون فيه، بل هم يتفاوتون فيه تفاوتاً هائالً، وهذه قضية واضحة عند النظر في مقوالت أصحاب الملل والنحل والعقائد، بل هي واضحة عند التأمل في سائر أحوال بني آدم، فالعقل وإن كان مشتركاً بين الناس في أمور، فإنهم في أمور كثيرة أخرى ال يظهرون االتفاق ذاته، فما يعلمه زيد بعقله قد يجهله عمرو، بل اإلنسان .نفسه قد يعلم بعقله شيئاً في وقت ثم يجهله في وقت آخر (محدودية إدراك العقل، وأنه قد ال يدرك :إذا استحضرت هذه األمور الثالثة توصلت إلى رؤية معتدلة في تفصيالت األمور، وأن الناس يتفاوتون فيه تفاوتاً كبيراً)؛ .)النظر إلى العقل وظهر لك اإلشكال الذي يمكن أن يكمن في مقولة (ال يقبله العقل فاإلشكال هنا ليس مع العقل، بل مع توهم ما ليس بعقلٍ أنه هو العقل، وهو ًخطأ يمكن أن يقع لكثير من الناس، لكن المشكلة تتعاظم حين يكون األمر ناشئا من غلو زائدٍ في العقل، وتحميل له فوق طاقته بما يؤدي به إلى الوقوع في انحرافات .وضالالت بدعوى العقل، والعقل منها براء
ال يقبله العقل فبسبب الغفلة عن محدودية العقل في اإلدراك يتورط بعض الناس فيستند إلى ما يتوهمه عقالً لينفي حقائق شرعية غيبية. وبسبب الغفلة عن قصور العقل عن اإلدراك .التفصيلي لكل القضايا يقوم بالتنكر لبعض القضايا الشرعية التفصيلية المحكمة وبسبب الغفلة عن التفاوت واالختالف في تحقيق العقل يجعل بعض الناس ما تعوّد !عليه أو شاع في مجتمعه أو زمانه هو العقل الذي ال يمكن أن تأتي الشريعة بخالفه ،ولهذا، فالتعامل مع األحكام الشرعية بطريقة (ال يقبله العقل) فيه قصور ظاهر فهو يجهل حقيقة العقل، ويحيل إلى عقل متوهم يرد به من األحكام الشرعية ما ال يستقيم مع مزاجه. وربما يتوهم أن بإمكانه اإلحالة للعقل في تحقيق جميع المسائل الفكرية والعقدية، وهي إحالةٌ على ما ال ينضبط، فكيف يصح أن يعترض على الشرع .بما ال ينضبط، ولهذا فهذه الطريقة في الحقيقة طريقة ذوقية مزاجية إذاً، ما هو المنهج الشرعي الصحيح في التعامل بين ما يبدو من تعارضٍ بين العقل والنقل؟ المنهج هنا يقوم على إدراك أن العقل الصحيح ال يمكن أن يعارض النقل الصريح، فما ثبت في الشريعة قطعاً ال يمكن أن يخالف العقل قطعاً، وما يحدث من .توهم مخالفة فهو إما بسبب خطأ في فهم العقل، أو خطأ في فهم الشريعة وبناءً عليه، فالواجب هو النظر في طبيعة المخالفة هنا هل هي مخالفة حقيقية أم ال؟ فإن كانت مخالفة حقيقية ال يمكن أن يجمع بين الطرفين بجامع، فأحد طرفي المعادلة ال يثبت قطعاً، فينظر فيهما ويقدم ما كان سالماً من الخادش، فإن كان العقل صحيحاً والنقل ال يثبت كان التقديم له، وإن كان العقل فاسداً مع ثبوت النقل فالنقل .مقدم
ال يقبله العقل أما إن كانت المخالفة متوهمةً في عين الناظر مع ثبوت األمرين، فينظر في الداللة ويقدم ما كان أقوى، ويرد الثاني إليه بوجه من التأويل المقبول، فإذا كانت داللة العقل ،قطعية قدمت داللته على الداللة النقلية الظنية، وفسر النقل بما هو مقبول في العقل وإن كان العقل هو الظني قدمت الداللة النقلية القطعية عليه، وإن كانا ظنيين تطلب لهما القرائن المرجحة، فمن رجحت القرائن كفته كان له التقديم. فاعتبار التقديم كما ،ًترى ليس عائداً إلى جنس الدليل من جهة كونه عقلياً أو نقلياً، بل إلى نوعه قطعاً وظنا فالمقدم هو ما كان أقوى، وأما تساويهما في القوة بحيث يكونان قطعيين، فأمر ممتنع .مستحيل وكما ترى، فعندنا هنا مسلك في النظر يتسم بالعمق والعلمية، يغوص في ذات المسألة، ويجرد األدلة، ويفحص أوجه اإلشكال حتى يصل إلى الحق، فهذا هو النظر العقلي الصحيح الذي يحترم العقل ويقدره، وال يقوم على حالة مزاجية غير منضبطة .تتذرع بالعقل بقيت قضية واحدة نود اإلشارة إليها، وهي التفريق بين مقامين يشتبهان عند كثير من الناس، ووقوع االشتباه بينهما هو ما يدفع بعض الناس إلى تصور وقوع المعارضة ضرورة التفريق بين محارات العقول ومحاالت :بين نصوص الوحي والعقل، وهو العقول، وبين المستحيالت العادية والمستحيالت العقلية؛ فمحارات العقول هي القضايا التي يحتار العقل في تصورها، لكنه ال يملك ما يوجب ردها ورفضها، فيقف حائراً متردداً، وهذا التوقف والتردد ال يبيح رد النقل كما هو ظاهر، إذ النقل مثبت .والعقل متوقف والواجب تقديم المثبت على المتوقف أما محاالت العقول فهي ما يجزم العقل بنفيه واستحالته، وهو ما يوجب إدراك الفرق بين المستحيل العادي والمستحيل العقلي؛ فالمستحيل العادي هو ما يقع
ال يقبله العقل مخالفاً لما جعله الله في الطبيعة من سنن وقوانين، أما المستحيل العقلي فهو األمور ،الممتنعة لذاتها كاجتماع النقيضين، كأن يوجد شخص حي وميت في الوقت نفسه أو سيارة واقفة ومتحركة في اللحظة نفسها، وهكذا... فإذا أخبرت الشريعة بأمر يستحيل أن يجيء على خالف المستحيالت العقلية، لكن يمكن أن تخبر بما يخالف المستحيالت العادية، كشأن إخبار الوحي بمعجزات األنبياء مثالً، وبعض ما يخالف .أحوال الدنيا من أحوال أخروية