) اإليمان في القلب40( هذه المقولة لها استعماالن شهيران: استعمال علمي له حضوره في المدونة .العقدية، واستعمال شعبي يشيع في كثير من األوساط االجتماعية فهو إطالق يتم تناوله عند معالجة أحد أهم مباحث :االستعمال األول ففيما يخص األسماء واألحكام في البحث العقدي، وهو تحقيق ماهية اإليمان وتعريفه، حيث يقرر بعضهم تبعاً لمذهب الجهمية والمرجئة أن حقيقة اإليمان في القلب، وأن قول اللسان وعمل األركان ليس من صميم اإليمان وال ركناً فيه، فاإليمان ليس إال المعرفة أو اإلقرار أو التصديق المنعقد في القلب، وبزواله يزول اإليمان، وأما األعمال فهي مكملة، ويجري عليها الثواب والعقاب، لكنها ليست من حقيقة اإليمان، وال يخرج .المسلم من اإليمان بسببها وهذه مقولة عقدية شهيرة مخالفة العتقاد أهل السنة والجماعة في أن اإليمان يقوم على ثالثة أركان: تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح؛ فقول اللسان وعمل الجوارح كقول القلب وعمله داخلة جميعاً في صميم اإليمان، وقد يخرج .المرء من اإليمان بسبب قول أو عمل ،وهذا الخالف العقدي الشهير قد بُيّنت أدلته، ونُقضت شبهات المخالفين فيه وليس هذا مجال التعرض لذلك، ألنها ليست من المقوالت المعاصرة التي نتحدث .عنها ،ًفيأتي في سياقٍ ال يستحضر المعنى العقدي السابق أصال :االستعمال الثاني أما وال يعتمد فيه على أصل فكري معين، وإنما يجيء في سياق بيان مكانة اإليمان
اإلميان يف القلب القلبي، وأن اإليمان الحقيقي هو إيمان القلب، وأن بعض من يظهر الخير قد يكون فاسد االعتقاد، سيئ النية، ذميم الباطن، وهذه المعاني الباطنة أهم من ذلك الخير .الظاهر :فمن يردد هذه المقولة قد يستحضر أموراً عدة . أهمية العناية بالجانب القلبي، والعمل الخفي، وفعل السر-1 عدم االكتفاء بفعل الظاهر، فقد يكون حال بعض من حسن أمره ظاهراً غير-2 .محمود الباطن ً أن بعض من تظهر عليه مظاهر السوء والشر قد يكون في باطنه أحسن حاال-3 .من غيره والحقيقة أن هذه األمور من حيث الجملة حق ال إشكال فيها، فشأن اإليمان القلبي ،عظيم جداً، والتذكير به وبأهميته من األمور المهمة التي قد يتساهل فيها كثير من الناس .ًوالتذكير بجانب السر، ومراقبة الله، وإصالح حال اإلنسان، كله من األمور المهمة أيضا كما أن الحكم على الناس ال يكتفي فيه بالظاهر فقط، فقد يكون حال اإلنسان في .الحقيقة مخالفاً لظاهره، كما أن الظاهر فقط ليس معيار المفاضلة بين الناس .فهذه إذاً معانٍ صحيحة ال غبار عليها إذاً، كيف تحولت هذه المقولة لتكون مقولة مؤسِّ سَ ة لالنحراف الفكري المعاصر؟ تأتي مشكلة هذه المقولة من طبيعة السياق الذي توضع فيه، حيث إن هذه المقولة حين تجري على ألسنة كثير من الناس ال تأتي في السياق الموضوعي الذي يتضمن ،بيان أهمية الباطن، أو ضرورة عدم االكتفاء بالظاهر، وإنما تجيء في سياقات فاسدة :ومن هذه السياقات الفاسدة
اإلميان يف القلب فتراه حين يرى بعض الناس متمسكاً حريصاً على: التزهيد في األعمال الظاهرة- .عمل ظاهر يذكره بهذه المقولة فإذا نُصح بسبب مخالفة ظاهرة ردد هذه العبارة (اإليمان: التهوين من المعاصي- في القلب). وإذا شعر أنه في موضع نقد بسبب تقصيره في بعض الشعائر الظاهرة دفع .هذا النقد بمثل هذه المقولة ومن الطرائق الشهيرة في التزهيد في الطاعات والمعاصي، تلك المقارنات الساذجة التي تتنوع طرائق عرضها: بأن يقارن حال شخص يحافظ على الصالة في ًالمسجد مثالً ويقوم الليل لكنه يرتكب محرمات، في مقابل شخص أقل منه تدينا في الظاهر لكنه أحسن منه في الصدقة والخير. أو أن ينقل صورة امرأة متحجبة لكنها ًترتكب محظورات معينة، في مقابل أخرى متساهلة في الحجاب لكنها تفعل أمورا حسنة. والمقصد من هذه المقارنات هو بعث رسالة ضمنية عميقة للمتلقي: بأن .اإليمان في القلب، فال تغتر بمثل هذه المظاهر ستعرف سذاجة هذه المقارنات وسخف ما تتوصل إليه من نتائج إذا استحضرت معنى واحداً فقط، وهو: أن التفضيل بين الناس ال يقوم على طاعة واحدة أو ترك معصية معينة، وإنما يكون بمجمل الحسنات والسيئات، فالدعوة إلى الحجاب وبيان ،فضله ال تعني أن كل محجبة هي خير من جميع النساء المفرطات في المحجبات وإنما هي خير منهم في هذه العبادة، وأما بقية األمور فتتعلق بحال كل امرأة وما تقوم .به من حسنات وما تجتنبه من سيئات، ومن مجموع ذلك يتفاضل الناس كمن يقول عن:التقليل من أثر الطاعات في تحقيق المصالح ودفع المفاسد الدعوة للحجاب وأثرها في الفضيلة إن اإليمان في القلب، فيزهد من أثر الطاعة في ،تحقيق هذه المقاصد، فيستغل هذه المقولة لنقض أثر الحجاب في العفة والفضيلة
اإلميان يف القلب ْ{وَإذَا سَأَلْ ُمُوهُنَّ مَتَاعً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم :وهذا معنى قطعي .]٥٣ :[األحزاب }َّوَقُلُوبِهِن وأثر الحجاب في العفة والطهارة، وكونه وسيلة مؤثرة في ذلك، ال يعني أن كل من تمسك به فهو كذلك، وال أن كل من فرط فيه فقد نقض عفته، وإنما هو سبب مؤثر فال معنى للتشغيب عليه بمثل هذا. وهذه في الحقيقة قضية يدركها الناس في جانبهم المعيشي وال تخفى عليهم، فإذا قيل: إن استعمال الدخان مؤثر في الصحة فال يعني هذا أن كل مدخن هو أسوء صحة من غير المدخن، وال أن كل من لم يدخن هو معافى من أي أضرار قد يصاب بها المدخنون، فهذه قضية بدهية ال تخطر على ذهن الناس في مثل هذه السياقات ألنها متعلقة بمقدمات تفكير واضحة، لكنها إذا جاءت للقضايا :الشرعية وقعت مثل هذه التوهمات الفاسدة، وصدقتها بعض النفوس، ألسباب منها ضعف التقدير الواجب لألحكام الشرعية عند بعض الناس، فيقبلون بعض التصورات .الهزيلة بسبب تمكن الهوى مشكلة هذه السياقات أنها ال تعي طبيعة العالقة الجدلية بين صالح الظاهر بصالح الباطن، وأن كالً منهما يؤثر في اآلخر؛ فصالح الباطن يحدث صالح الظاهر، وصالح :الظاهر يزيد من صالح الباطن، وأن األمر كما قال الحسن البصري عليه رحمة الله .»«ليس اإليمان بالتحلي وال بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب وصدقته األعمال فالظاهر وإن لم يدل بالضرورة على كمال صالح اإلنسان في باطنه، لكنه في األصل انعكاس عنه للتالزم الواقع بين الظاهر والباطن، فمن صلح باطنه ظهر ذلك في صالح .ظاهره، ومن صلح ظاهره أثر ذلك في صالح باطنه ومن تمام صالح الباطن وموجباته االلتزام بالواجبات الظاهرة، إذ اإليمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ما يشعر به اإلنسان من نفسه في مواسم
اإلميان يف القلب الخير كشهر رمضان، فإنه يحس بطمأنينة وسكينة إيمانية بالتزامه بالصيام والقيام وتالوة القرآن، كما يشعر إن كان في قلبه حياة بالنكد والوجع متى تكاسل عن أداء .بعض الواجبات وفرط فيها وهو ما يكشف عن ذلك الغلط الكبير بتوهم أن العالقة بين الظاهر والباطن عالقة منفكة، والتعامل معهما كحقلين متباينين، فهذا جهل كبير بالشرع، وقصور كبير في فقه أحوال النفوس. وقد كشفت الشريعة عن طبيعة المالزمة بين الظاهر والباطن، ومن : «أال وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا ذلك قول النبي . وفي التأكيد على أهمية الظاهر والباطن(((»فسدت فسد الجسد كله، أال وهي القلب : «إن الله ال ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن وأنه ميزان المفاضلة عند الله، يقول .(((»ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . متفق عليه((( . أخرجه مسلم(((