الرئيسية الفهرس المقولة 35
المقولة 35

لست مسؤولا عن الخلق

) لستَ مسؤوالً عن الخلق35( حين يبادر المسلم إلنكار أي قول أو فعل مخالفٍ للشريعة، فإنه غالباً لن يسلم من سماع مثل هذه المقولة: (لستَ مسؤوالً عن الخلق)، أو: (لستَ مسؤوالً عما يحدث)، أو: (دع الخلق للخالق)، أو: (عليك بما يخصك)، أو غيرها من العبارات التي تفتُّ في عضد كل من يريد الخير للناس بنصحهم عن خطأ، أو داللتهم على صواب، بأن هذا ليس من مسؤوليتك، أو أنه يمثل نوعاً من التطفل والتدخل في خصوصيات غيرك، فال حاجة ألن تشغل نفسك بها، وال أن تجر على نفسك الهم .والقلق بسببه، فأنت مسؤول عن فعل نفسك فقط والسؤال المهم هنا: هل نحن غير مسؤولين حقاً عما يحدث من حولنا؟ وهل تقتصر دائرة مسؤوليتنا على تصرفاتنا وأفعالنا وليس علينا مسؤولية تجاه غيرنا من الناس؟ ال شك في أن هذا الكالم باطل، فالمسلم مسؤول عما يحدث من حوله، وليس صحيحاً أن المسؤولية تقتصر على ما كان من فعله هو فقط، بل من فعله الواجب والذي يحاسبه الله عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا من الواجبات المحملة :على عاتق كل مسلم ومسلمة، وبهذا استحقت هذه األمة الثناء العظيم في القران .]١١٠ :[آل عمران }ِ{كُنتُمْ خَيْ َ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنكَر }ِ{وَلۡ َكُن مِّنكُمۡ أُمَّة يَدۡعُونَ إِلَ ٱلَۡيۡ ِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَر :وقال سبحانه ِ{لُعِنَ الَّ ِينَ كَفَرُوا مِنْ بَن :]. وذم الله تاركي هذه الشعيرة فقال تعالى١٠٤ :[آل عمران كَ نُوا ال يَتَنَاهَوْنَ عَن)#^87^# َإسْ َائِيلَ عَ َ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَ وْا وَّكَ نُوا يَعْتَدُون

لستَ مسؤوال عن اخللق .] [المائدة: ٨٧، ٩٧}َمُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَ ِئْسَ مَا كَ نُوا يَفْعَلُون فمن مسؤوليتك الشرعية أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو حكم شرعي .محكم ال يصح أن تكون حوله منازعة أو جدل واألمر بالمعروف يشمل نصح الناس وداللتهم على ما فيه خير لهم في دينهم ودنياهم، والنهي عن المنكر يشمل تحذيرهم عن أي شيء يمكن أن يضرهم في دينهم ودنياهم، فما يحدث من حولك مما تراه أو تسمعه فإن من مسؤوليتك أن تبادر .إلصالحه قدر طاقتك، فتقوّم الخطأ وتصحح االنحراف بالحكمة والموعظة الحسنة إن من يستشعر هذه المسؤولية الشخصية عليه فيما يحدث من حوله هو شخص إيجابي نافع، فهو ال يتعامل مع األحداث بسلبية وال مباالة، وإنما يحرص على أن ينفع الناس ويبذل الخير لهم، ومن يكتفي بمقولة (لستَ مسؤوالً) هو شخص أناني يكتفي بدائرته الخاصة وال يبالي بمن حوله، والفرق كبير بين شخصين: يسعى أحدهم في ٌاإلصالح قدر طاقته، ويؤثر نفعاً فيمن حوله، ويكون له أثر نافع حال وجوده؛ وشخص سلبي ال أثر لوجوده، فصالحه وخيره قاصر على نفسه.. فهل يستويان؟ ولذا كانت هذه الكلمة (عليك بنفسك) في مثل هذا السياق من أقبح الكلمات أنه قال: «وإن أبغض الكالم إلى الله عز وجل أن يقول عند الله، صح عن النبي .(((»الرجل للرجل: اتق الله. فيقول: عليك بنفسك ومما يكشف لك عن احتفاء الشريعة بالمصلحين ما جاء فيها من أصول محكمة تكشف عن تفضيل اإلصالح على مجرد الصالح، وأن اقترانهما هو مطلوب الشرع ال إلغاء جانب اإلصالح لمصلحة الصالح فقط، ومن تلك األصول المحكمة دالئل . أخرجه البيهقي في شعب اإليمان. قال األلباني: إسناده صحيح ورجاله ثقات(((

لستَ مسؤوال عن اخللق شعيرة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الشارع مصير األمة إن تركت هذا :الواجب، إضافة إلى ثناء الله تعالى على أهل التواصي بالحق والتواصي بالصبر ِّ إلَّ الَّ ِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّ الِـحَاتِ وَتَوَاصَ وْا بِالْـحَق)#!!٢# ٍ ْ إنَّ اإلنسَانَ لَفِ خُس)#!!١# ِ ْ{وَالْعَص ]. فاإلنسان واقع في الخسران، وال ينجيه من ذلك٣ - ١ : [العصر}ِ ْوَتَوَاصَ وْا بِالصَّ ب االقتصار على الصالح الذاتي بتحقيق اإليمان والعمل الصالح، بل النجاة التامة ال تكون إال لمن حقق ذلك ثم تواصى مع غيره على الحق تذكيراً به وأمراً، وزجراً عن .الباطل، وتواصى على الصبر عليه، وعلى ما يمكن أن يالقيه بسببه وأنت إذا تدبرت في الدافع الحقيقي لمقولة: (لست مسؤوالً عما يحدث)، ستجد ٍأن األمر ليس على ظاهره، فال تجد الناس في الجانب العملي يحمدون فعل شخص ال يبالي بمن حوله، بل يعدونه نموذجاً لألنانية والعجز والكسل. وإنما هذه المقوالت تستعمل للتثبيط عن اإلنكار في جانب معين من األخطاء، وهي المتعلقة بالمحرمات .والواجبات الشرعية، فهي التي يُزَهَّدُ فيها بأنك لست مسؤوالً عنها ولهذا لو أن أحداً رأى شخصاً قد تعرض العتداء، أو أصيب بمرض، أو حلت به كارثة، فال أحد سيقول حينها: لست مسؤوالً عما يحدث، بل الجميع يُبَجِّ لُ أي .مواقف خير ونصرة لهذا المحتاج فحقيقة األمر هي تزهيد في الواجب الشرعي المتعلق بالحث على الواجبات والنهي عن المحرمات الشرعية، وكلها مما يحمد لإلنسان القيام واألمر به، فكل ما أمر الله به من واجبات شرعية متعلقة بالعبادات أو المعامالت أو الحقوق الخاصة أو نصرة المظلوم أو إغاثة الملهوف، وحفظ الحقوق؛ كلها أحكام شرعية يحمد لمن َيأمر بمعروف فيها، أو ينهى عن منكر فيها. والتعامل مع بعض المنكرات بأنك لست مسؤوالً عنها، هو في الحقيقة تزهيد بها وانتقاص من مكانتها، وهو الباعث على .الحث على عدم مباالة الشخص بها وترك األمر والنهي فيها

لستَ مسؤوال عن اخللق الغريب أن هذا التصور الفاسد في قصر المسؤولية الدينية على الشخص دون {يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا:من حوله يشكل وهماً قديماً نشأ من سوء فهم لمثل قوله تعالى ْعَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ال يَضُ ُّكُم مَّن ضَ لَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ إلَ اللَّ ِ مَرْجِعُكُمْ جَ ِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كَنتُم ]. وقد جاء تصحيح هذا التصور الفاسد على لسان الصديق١ [المائدة: ٥٠}َتَعْمَلُون فحمد الله رضي الله عنه، فقد صح من حديث قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر ْ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا عَلَيْكُم :وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه اآلية  ]. وإنا سمعنا رسول الله١ [المائدة: ٥٠}ْأَنفُسَكُمْ ال يَضُ ُّكُم مَّن ضَ لَّ إذَا اهْتَدَيْتُم .(((»إن الناس إذا رأوا المنكر ال يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه« :يقول ، أن اآلية ال تدل على االنطواء على النفس وترك النصح الواجب للخلق فبيَّن بل أكد أهمية أداء واجب االحتساب، وأن األمة متى تخلت عنه فهي المهددة بعقاب الله تعالى. وأن مقصود اآلية بيان أن فعل اآلخرين ال يضرك إذا قمتَ بالواجب الشرعي عليك باألمر والنهي، فهنا ال يكلفك الله أن ينتهي البشر عن أفعالهم، فهذا مما ال قدرة لك عليه، وليس تحت التكليف، فإذا اهتديت وأمرت بالمعروف ونهيت .عن المنكر فلن يضرك فعل أحد {وَمَا كَ نَ رَبُّكَ لِ ُهْلِكَ الْقُرَى :ولهذا ذكر الله في القرآن أن النجاة متعلقة باإلصالح ]. فاإلصالح هو الذي يحفظ من عقوبة الله وليس١١[هود: ٧ }َبِظُ لْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْ لِحُون مجرد الصالح الذي ال يقوم بواجب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما نبه .(((» حين سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث إليه . أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح((( .وصححه ابن العربي، والنووي، وابن تيمية، واأللباني . متفق عليه(((

لستَ مسؤوال عن اخللق بل صرح عليه الصالة والسالم بما هو أوضح في تحقيق هذا المعنى وما يمكن أن يلحق المجتمع من المصائب إن هم تركوا واجب االحتساب، فقال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه .(((»ثم تدعونه فال يستجاب لكم ولهذا حين ذكر الله قصة أصحاب السبت ختمها بذكر الفئة التي استحقت ِ{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَجنَيْنَا الَّ ِينَ يَنْهَوْنَ عَن :النجاة، وهي التي كانت تأمر وتنهى، فقال .]١ [األعراف: ٥٦}َالسُّ وءِ وَأَخَذْنَا الَّ ِينَ ظَ لَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَ نُوا يَفْسُقُون إذاً، عند الحديث عن فعلٍ محرم ال معنى أن يقول أحد: لستَ مكرهاً على الحضور، فمن شاء حضر، ومن شاء لم يحضر، فهذا االعتراض ال يمكن أن يرد على .ذهن مسلمٍ فَقِه معنى األصل الشرعي في األمر بالمعروف والنهي عن المنكر .تأتي هنا مقولة مثبطة أخرى، تقول: لو أراد الله أن يمنعها لمنعها وهذا صحيح، فلو أراد الله أن يمنع هذه المحرمات لمنعها، لكن ما الذي تريده من هذا؟ ًلم يمنعها ربنا تبارك وتعالى لحكمة بقاء الخير والشر جميعاً، وأن يبتلينا جميعا .في أن نقوم بالخير ونأمر به، ونترك الشر وننهى عنه فتوظيف مثل هذه المقولة في سياق التثبيط من هذه الشعيرة هو في الحقيقة احتجاج بالقدر على ترك الواجب الشرعي، ومثل هذا االحتجاج باطل، وهو من َ{سَيَقُولُ الَّ ِينَ أَشْ َكُوا لَوْ شَاء :جنس احتجاج المشركين لشركهم بما ذكره الله عنهم ْاللَّ ُ مَا أَشْ َكْنَا وَال آبَاؤُنَا وَال حَرَّمْنَا مِن شَ ْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّ ِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّ ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَل .]١٤[األنعام: ٨ }َعِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَ َا إن تَتَّبِعُونَ إلَّ الظَّ نَّ وَإنْ أَنتُمْ إلَّ تَ ْرُصُ ون . أخرجه الترمذي، وأحمد. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه أحمد شاكر. وحسنه األلباني(((

لستَ مسؤوال عن اخللق ،والقول بأن الله لو أراد أن يمنعه لمنعه، هو من قبيل االستدالل بالقدر على الشرع وهي مقولة متكررة، تأتي هنا، وتأتي أيضاً في سياق الدعوة إلى تقبل االختالفات .الفكرية مهما كانت مصادمة والحق أنه ال يصح أن يُستدل بالحكم القدري على الحكم الشرعي، فالسنة الكونية يراد بها ما خلقه الله وأراده قدراً، ومثل هذا االختالف بين الناس هو سنة قدرية، وال رادّ لما قضى الله، والله إنما قدرها لحكم عظيمة، لكن هذا ال يعني أنه مشروع ومحبوب لله، فليس ثم تالزم بين اإلرادة القدرية المتعلقة بالخلق، واإلرادة الشرعية، فهناك أمور يشاؤها الله قدراً لكنه ال يرضاها شرعاً، وذلك مثل المحرمات الشرعية كالقتل والزنا والسرقة وغيرها، فال يجوز أن يستدل أحد على مشروعيتها بوجودها وأن الله خلقها، فمن يستدل باالختالف الموجود بين الناس على أنه مشروع مطلقاً هو مثل من يستدل بوجود الخمر والزنا والقتل على أنه مشروع، وهو أمر باطل .ظاهر البطالن ،ومن المقوالت الرائجة حديثاً، والتي تتضمن تثبيطاً عن أداء واجب االحتساب فيسمي بعض الناس من يأمر وينهى وعنده أي تقصير بأنه :)التحذير من (االستشراف !مستشرف وهي لفظة غريبة يبدو أنها مشتقة من الشرف، حيث يدّعي مطلقها أن الناصح يزكي نفسه حين ينصح غيره ويدعي لنفسه شرفاً غير مستحق، ويشيع رمي هذا االتهام في وجوه الناصحين ممن هو واقع في التقصير في بعض الواجبات أو المحرمات الظاهرة، فيعيّره بهذه الكلمة تثبيطاً له عن ممارسة االحتساب، وربما سخروا منه بأنهم !)من جماعة (أحب الصالحين ولست منهم

لستَ مسؤوال عن اخللق والحقيقة أن مثل هذه التهمة للناصحين ال وجه لها وال معنى لها إطالقاً في :الشريعة، وهو ما يتجلى من خالل مالحظة المعاني التالية ، أنه يتعارض مع جملة من المفاهيم المركزية في التصور اإلسالمي:المعنى األول كمفهوم االحتساب، والتواصي، وما يمكن أن يترتب من العقوبات اإللهية على ترك .هذه الواجبات أن واجب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر متحتم على كل:المعنى الثاني : «من رأى منكم مسلم، سواءً كان واقعاً في الذنب والمعصية، أو بريئاً منه، قال منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف . فهو أمر نبوي لكل مسلم رأى منكراً، وال يصح من المسلم ترك واجب(((»اإليمان .اإلنكار ظاهراً إال بالعجز عنه، فيتعين عليه مع ذلك اإلنكار بقلبه أنه ال يخلو مسلم من الوقوع في الذنوب والمعاصي: «كل ابن:المعنى الثالث . فمالحقة المقصرين بتهمة االستشراف يلزم(((»آدم خطاء وخير الخطائين التوابون منها ترك واجب االحتساب مطلقاً، فالمحتسب إن لم يكن واقعاً في عين الذنب الذي يحتسب على غيره فيه، فهو واقع في ذنب آخر، ولمطلق هذه التهمة أن يذكره بهذا :فتتعطل هذه الشريعة، وقد أحسن الشاعر جداً إذ قال ٌإذا مل يَـعِـظْ يف الـنَّـاس مـن هـو مُذنب فــمــن يــعــظ الــعــاصــن بــعــد حممد قال الحسن البصري لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك. فقال: إني أخاف أن أقول ما ال أفعل. قال: يرحمك الله! وأينا يفعل ما يقول! ويود الشيطان أنه قد ظفر . أخرجه مسلم((( . أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وأحمد. وقواه ابن حجر. وحسنه األلباني(((

لستَ مسؤوال عن اخللق . وقال مالك: عن ربيعة بن أبي عبد(((بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر الرحمن: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء ال يأمر بالمعروف وال ينهى عن :المنكر حتى ال يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف وال نهى عن منكر. قال مالك !(((وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء َ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُون :ولقائل أن يقول: وما نفعل بمثل قول الله تعالى ]. وقوله٣ ،٢ : [الصف}َ كَبُ َ مَقْتًا عِندَ اللَّ ِ أَن تَقُولُوا مَا ال تَفْعَلُون)#!!٢# َمَا ال تَفْعَلُون }َ{أَتَأْمُرُونَ انلَّاسَ بِالْبِ ِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَال تَعْقِلُون :تعالى ذماً لليهود : «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه ]. وقول النبي٤٤ :[البقرة في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فالن ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف : «مررت ليلة أسري بي على قوم . وقول النبي(((»وال آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ،تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: ما هؤالء؟ قال: هؤالء خطباء من أهل الدنيا ..(((»كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفال يعقلون؟ أال تدل هذه النصوص على ذم العاصين من المحتسبين؟ فيقال: ال شك في أن الواجب على المحتسب االلتزام بما يأمر الناس به من الواجبات الشرعية، وأن يتجنب ما ينكره على غيره، والناس بطبيعتها تنفر من التناقض الذي يقع بين التصور والسلوك، والقول والعمل، وهو معنى حاضر في القرآن الكريم ُ{وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيد :في قصة شعيب عليه الصالة والسالم .] [هود: ٨٨} ُإلَّ اإلصْ الحَ مَا اسْتَطَ عْت .)376/1( تفسير القرطبي((( . المرجع السابق((( . أخرجه البخاري((( . أخرجه أحمد. وحسنه البغوي. وصححه شعيب األرناؤوط(((

لستَ مسؤوال عن اخللق َ{يَا أَيُّهَا الَّ ِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُون :ولذا كان من حكمة الشريعة ذم من يخالف قولُه فعلَه ]. فهو مستحق للذم بمخالفته لما يقول، وقد يكون في٢ : [الصف}َمَا ال تَفْعَلُون .صنيعه هذا فتنة لغيره، فيقول المنصوح: لو كان صادقاً ألتى ما ينصح به ولما تركه :وتتأكد هذه المشكلة من العلماء، وفي علماء السوء يقول ابن القيم عليه رحمة الله «علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: ال تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقاً كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدالء وفي الحقيقة .(((»قطاع الطرق فما سبق حقٌ ال شك فيه، وليس موضعاً للنقد، وأن الواجب على المحتسب أن ًلكن السؤال هنا: هل يشكل هذا مسوغا ،يلتزم بنصائحه ال أن يخالف بأفعاله أقواله لترك االحتساب من العصاة، وأن المذنب ال يجوز له أن ينكر على غيره؟ إذا دققتَ النظر في تلك السياقات القرآنية وغيرها، وجدت الذم متعلقاً بمخالفة :القول للعمل، ال أنه واقع على االحتساب نفسه، فلدينا هنا أمران ينبغي مالحظتهما . وجوب موافقة القول للعمل:األمر األول . وجوب األمر بالمعروف والنهي عن المنكر:األمر الثاني فهل الذم واقع على ترك األمر األول أم هو واقع على فعل األمر الثاني، أم هو واقع على الجمع بينهما بترك األول وفعل الثاني؟ والحق أنه واقع على ترك الواجبات وفعل المحرمات، وأنه يقبح من الناصح أن يصر على ترك الواجب وفعل المحرم، فهذه النصوص الشرعية إنما تسعى إلحداث .)61( الفوائد البن القيم(((

لستَ مسؤوال عن اخللق .التغيير في سلوك المقارف للذنب والمعصية، ال دعوته إلى ترك االحتساب الواجب فالعاصي يتعلق به واجبان: واجب ترك المعصية، وواجب االحتساب على من رآه واقعاً فيه. فقبيح منه أن يجمع إلى معصيته الذاتية معصية ترك االحتساب الواجب، بل المطلوب منه إصالح حاله وترك المعصية، ليكون قوله موفقاً لعمله، وهذا نقيض ما يطمع إليه من يتهم كثيراً من المحتسبين باالستشراف، إذ مقصودهم الدعوة إلى ترك .االحتساب الواجب، ال ترك الذنوب والمعاصي والحقيقة أن هؤالء المعترضين لنقد بعض المحتسبين وإسكاتهم ال يستحضر هذا اإلشكال في سياقات أخرى، مع أنها في الحقيقة مطابقة لموضع نقده، كمنع األب مثالً أبناءه من التدخين مع كونه مبتلى به، فعامة الناس يتفهم هذا المنع وال يقول لألب ما دمت مدخناً فاترك أبناءك يدخنون، بل يتوجهون لألب بالنصيحة ويدعونه إلى ترك التدخين ليكون قوله متوافقاً مع عمله، وليكون للمنع تأثير أبلغ، فإن األبناء .قد يتأثرون بالسلوك العملي لألب قد يقول بعضهم: المشكلة في االقتصار على النهي عن المنكر دون تحقيق األمر .بالمعروف والحقيقة أن هذه العبارة ال معنى لها، وهي تنم عن سوء تصور لطبيعة عالقة ٍالمعروف بالمنكر، إذ هما من األضداد التي يعبر بها عن موضوع واحد، فكل أمر بالمعروف هو نهي عما يضاده من المنكر، وكل نهيٍ عن المنكر هو أمر بما يضاده من .المعروف فالنهي عن منكر الكذب هو أمر بمعروف الصدق، والنهي عن العقوق هو أمر بمعروف البر، والنهي عن منكر التبرج هو أمر بمعروف الحجاب، والنهي عن منكر .الزنا هو أمر بمعروف العفة، وهكذا

لستَ مسؤوال عن اخللق والعكس كذلك، فاألمر بمعروف صلة الرحم هو نهي عن منكر القطيعة، واألمر بمعروف إطابة المطعم هو نهي عن منكر المطاعم المحرمة، واألمر بمعروف العدل .هو نهي عن منكر الظلم والبغي واالعتداء وحتى تتضح الصورة أكثر، فمن يقول: لماذا تنهون عن المنكر وال تأمرون بالمعروف؟ هو تماماً كمن يقول لمحتسب في شأن الصالة: لماذا تنهى منكر ترك :الصالة وال تأمر بمعروف إقامتها! أو يقول لمحتسب على مفطر في نهار رمضان !لماذا تنهاه عن الفطر وال تأمره بالصيام فهل مثل هذا الكالم مقبول أم معقول؟! أم أنه يكشف عن أن القضية برمتها فارغة من أي مضمون؟ ومما يجب إدراكه أن تمدد واجب اإلنكار في المجتمع سيتمدد بطبيعة الحال طردياً مع تمدد المنكرات فيه، فكلما زادت هذه في الواقع تبعها زيادة في جرعة اإلنكار: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع .(((»فبقلبه، وذلك أضعف اإليمان وهو أمر صحي يدل على سالمة تدين الناس، وانتشار الخير بينهم، وهو ضمانة صيانة المجتمع وحفظه: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعالها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا ،من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا .(((»ًفإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ِ{لُعِنَ الَّ ِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِ إسْ َائِيلَ عَ َ لِسَان :واألمة التاركة له متوعدة بمقت الله وغضبه . أخرجه مسلم((( . أخرجه البخاري(((

لستَ مسؤوال عن اخللق ُ كَ نُوا ال يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوه)#^87^# َدَاوُودَ وَعِيسَ ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَ وْا وَّكَ نُوا يَعْتَدُون وهذا اإلنكار كما سبق يصب في مصلحة.] [المائدة: ٨٧، ٩٧}َلَ ِئْسَ مَا كَ نُوا يَفْعَلُون .األمر بالمعروف وإشاعته بين الناس، للتالزم الواقع بينهما كما سبق بيانه ٍوهب أن األمر منفصل بينهما كما يريد صاحبنا أن يصور، فإن الواجب حينئذ ًأن يُسد النقص الواجب، ويحرص على األمر بالمعروف، ال أن يكون النقد متجها .للتقليل ممن يقوم بواجب النهي عن المنكر ًوهو ما يكشف لك في الحقيقة عن البواعث المؤثرة هنا، فإن هذه المقولة غالبا ال يؤتى بها إال للتثبيط من الجهود المطلوبة شرعاً، ال أنها تسعى إلى إحداث موازنة .متوهمة بين طرفين متالزمين في الحقيقة، يكون في إشباع أحدهما إشباعاً لآلخر ومن تأمل واقع الخطاب الدعوي المعاصر وجد فيه حزمة كبيرة جداً من مظاهر وطاعته، واحترام األمر بالمعروف، كاألمر بتوحيد الله وعبادته، وتوقير النبي ،، واألمر بالصالة، والزكاة، والصدقة، والصيام، والحج، والعمرة صحابته والعدل، واإلحسان، وصلة األرحام، وبر الوالدين، وحسن الجوار، وإصالح ذات .البين، وإعانة المحتاجين، ورفع الظلم عن المظلومين، إلى غير ذلك والخالصة أن صاحب مقولة (لست مسؤوالً عما يحدث) لو أتبعها بقوله: بعد أن تقوم بالواجب الشرعي في األمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكان مصيباً في صنيعه، ولكان منبهاً إلى أن هذه السيئة لن تضر إال صاحبها، وأما مع التفريط في أداء واجب االحتساب فالمضرة ستلحق الجميع، من عمل السيئة، ومن ترك األمر .والنهي، بل عموم المجتمع، وعلى كلٍّ من التبعة بقدر ما ارتكب

التالي → 36 - لا تكن إقصائيا ← السابق 34 - بلا وصاية